5 -
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
الحشر : 9
والثّاني عشر - أنّ دلالة ( الأثر ) بشكليه المادّيّ والمعنويّ بيّنة في غيره من المشتقّات ، أي المحورين الآخرين ( أثار ومشتقّاته ) و ( أثارة ) كما ستقف عليه .
ف ( يؤثر ) في
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
سواء كان فعلا مجرّدا أم من باب الإفعال بمعنى التّفضيل ، يراد به أنّ القرآن - وهو أثر ملموس مسموع قابل للرّؤية أيضا بعد الكتابة - سحر أثر ، ونقل عن غير النّبيّ إليه ، أو فضّله هو أو النّاس على غيره من الكلام . وفي الوقت نفسه للقرآن أثر معنويّ في نفوس النّاس يجذب القلوب إلى معارفه ، وهذا يعدّ بعدا معنويّا للقرآن . على أنّ للقرآن ظاهرا وهو ما نسمع ونرى ، وباطنا وهو ما عند اللّه في اللّوح المحفوظ ، وما في القلوب المؤمنة من نور الإيمان . وما يؤكّد هذه الرّؤية ارتباط ( يؤثر ) بالسّحر ، وتأثير السّحر على النّاس مادّيّا ومعنويّا غير خاف .
وأمّا ما جاء من الألفاظ في الآيات الخمس بمعنى « الإيثار » فاتّصالها بالبعد المادّيّ والمعنويّ معا :
1 - إنّه تفضيل شيء على آخر ؛ بحيث أنّ هذا الشّيء المفضّل ينقل إلى الآخرين .
2 - وإنّه بهذا النّقل سيترك آثاره على أولئك الآخرين .
ومن هذا القبيل السّيف المأثور : الّذي به أثر ، والقول المأثور : المنتقى والمنقول عن السّابقين . ففي ( آثر ) وما ينبثق عنه سعة قبول المعنيين ممتزجين . فنلاحظ أنّ الدّلالة المقصودة للّفظ تتضمّن معنى الأثر من حيث إنّك قد تؤثر فلانا بشيء ، وذلك الشّيء لا بدّ أن يظهر أثره في فلان . فقوله :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
يدلّ على أنّ المأثور به سيكون له أثره فيمن يخصّ به ، من قبيل الرّاحة والسّعادة والانشراح ، وما إليها من مشاعر وآثار من أجل تحقيقها . ويلحّ الخلق الإسلاميّ الرّفيع على ظاهرة الإيثار ، وهذه كلّها راجعة إلى البعد المعنوي ، وأمّا المادّيّ فهو ما يفضّل به المؤمن غيره على نفسه من الأرزاق والمآكل والمشارب والملابس والمساكن وما إليها .
وهكذا الأمر في إيثار ( الحياة الدّنيا ) فإنّه يجمع البعدين المادّيّ والمعنويّ ، فمن آثر الحياة الدّنيا على الآخرة لا تظهر فيه سمة الإيمان ونور اليقين ، كما أنّه يتّجه إلى اللّذّات ومتع الحياة المادّيّة والجاه والمقام ، ويزنها بالميزان الأوفى ، على خلاف الّذين يؤثرون الآخرة على الدّنيا ، فهم الّذين قال تعالى في شأنهم :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
القصص : 83
فلهم نورهم يسعى بين أيديهم ، وحتّى المقرّبين منهم - كما يحدّثنا القرآن - لا يريدون من اللّه إلّا اللّه ، ويطلبون رضوانا من اللّه والقرب منه ، وهذا هو البعد المعنويّ . وأمّا البعد المادّيّ بالنّسبة إليهم فوجوههم النّيّرة
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ
القيمة : 22 ، وجنّات الخلد وما إليها .
والثّالث عشر - إنّ ( آثر ) وما اشتقّ منه خمسة بدون عدّ
سِحْرٌ يُؤْثَرُ
منها مرّتان في غير المؤمنين متعلّقا بالحياة الدّنيا ذمّا ، ومرّتان وهما ( اثرك ) و ( تؤثرون ) في