تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
الملائكة نوعا . ولمن زعم أنّه لم يكن من الملائكة أن يقول : إنّه كان جنّيّا نشأ بين أظهر الملائكة ، وكان مغمورا بالألوف منهم فغلّبوا عليه ، أو الجنّ أيضا كانوا مأمورين مع الملائكة ، لكنّه استغني بذكر الملائكة عن ذكرهم ، فإنّه إذا علم أنّ الأكابر مأمورين بالتّذلّل لأحد والتّوسّل به ، علم أنّ الأصاغر أيضا مأمورين به . ( 1 : 48 ) النّيسابوريّ : اختلف في أنّ إبليس من الملائكة أم لا ؟ فقال أكثر المتكلّمين لا سيّما المعتزلة : إنّه لم يكن منهم ، وقال كثير من الفقهاء إنّه كان منهم . حجّة الأوّلين أنّه من الجنّ ، لقوله في الكهف : 50
إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ،
فلا يكون من الملائكة . وأيضا قال :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ * قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ
سبأ : 40 ، 41 . وردّ الأوّل : بأنّ الجنّ قد يطلق على الملك لاستتاره عن العيون ، وبأنّ ( كان ) يحتمل أن تكون بمعنى « صار » . والثّاني : بأنّه لا يلزم من كون الجنّ في هذه الآية نوعا مغايرا للملائكة أن يكون في الآية الأولى أيضا مغايرا لاحتمال كونه على مقتضى أصل اللّغة وهو الاستتار . وقالوا : إنّ إبليس له ذرّيّة لقوله تعالى :
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي
الكهف : 50 ، والملائكة لا ذرّيّة لها ، لأنّها تحصل من الذّكر والأنثى ولا إناث فيهم ؛ لقوله :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
الزّخرف : 19 ، منكرا عليها . وأيضا الملائكة معصومون لما سلف ، وإبليس لم يكن كذلك . وأيضا إنّه من النّار
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ
الأعراف : 12 ، وإنّهم من نور لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجانّ من مارج من نار » . ومن المشهور الّذي لا يدفع أنّ الملائكة روحانيّون ، فقيل : سمّوا بذلك لأنّه من الرّيح أو من الرّوح . وأيضا الملائكة رسل
جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا
فاطر : 1 ، ورسل اللّه معصومون
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
الأنعام : 124 . حجّة الآخرين : أنّه استثناه من الملائكة . وحمله على المتّصل أولى ، لأنّ تخصيص العمومات في كتاب اللّه أكثر من الاستثناء المنقطع . قيل : إنّه جنّيّ واحد مغمور بين ظهرانيّ ألوف من الملائكة فغلّبوا عليه ، وهذا لا ينافي كون الاستثناء متّصلا . وأجيب بأنّ التّغليب إنّما يصار إليه إذا كان المغلوب ساقطا عن درجة الاعتبار ، أمّا إذا كان معظم الحديث فيه فلا يصار إلى التّغليب . وأيضا لو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الخطاب ب ( اسجدوا ) وحينئذ لم يستحقّ بترك السّجود لوما وتعنيفا ، ولا يمكن أن يقال : إنّه نشأ معهم والتصق بهم فتناوله الأمر ، لما بيّن في أصول الفقه أنّ خطاب الذّكور لا يتناول الإناث وبالعكس ، مع شدّة المخالطة بين الصّنفين . ولا أن يقال : إنّه وإن لم يدخل في هذا الأمر إلّا أنّه تعالى أمره بلفظ آخر ما حكاه في القرآن ، بدليل قوله :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
الأعراف : 12 ؛