الحيوانات الّتي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعا ، ولهم على أحوالها أتمّ وقوف .
قال الإمام « 1 » : التّناسب فيها أنّ الكلام مع العرب وهم أهل أسفار على الإبل في البراري ، فربّما انفردوا فيها ، والمنفرد يتفكّر لعدم رفيق يحادثه وشاغل يشغله فيتفكّر فيما يقع عليه طرفه ، فإذا نظر لما معه رأى الإبل ، وإذا نظر لما فوقه رأى السّماء ، وإذا نظر يمينا وشمالا رأى الجبال ، وإذا نظر لأسفل رأى الأرض ، فأمر بالنّظر في خلوته لما يتعلّق به النّظر من هذه الأمور ، فبينها مناسبة بهذا الاعتبار .
وقال عصام الدّين : إنّ خيال العرب جامع بين الأربعة ، لأنّ ما لهم النّفيس الإبل ، ومدار السّقي لهم على السّماء ، ورعيهم في الأرض ، وحفظ ما لهم بالجبال ، وما ألطف ذكر الإبل بعد ذكر الضّريع ، فإنّ خطورها بعده على طرف الثّمام ، وإذا صحّ ما روي من كلام قريش عند نزول تلك الآية كان ذكرها ألطف وألطف .
( 30 : 116 )
سيّد قطب : الإبل حيوان العربيّ الأوّل ، عليها يسافر ويحمل ، ومنها يشرب ويأكل ، ومن أوبارها وجلودها يلبس وينزل . فهي مورده الأوّل للحياة ، ثمّ إنّ لها خصائص تفردها من بين الحيوان ، فهي على قوّتها وضخامتها وضلاعة تكوينها ذلول يقودها الصّغير فتنقاد ، وهي على عظم نفعها وخدمتها قليلة التّكاليف .
مرعاها ميسّر ، وكلفتها ضئيلة ، وهي أصبر الحيوان المستأنس على الجوع والعطش والكدح وسوء الأحوال ، ثمّ إنّ لهيئتها مزيّة في تناسق المشهد الطّبيعيّ المعروض . لهذا كلّه يوجّه القرآن أنظار المخاطبين إلى تدبّر خلق الإبل ، وهي بين أيديهم لا تحتاج منهم إلى نقلة وعلم جديد . ( 6 : 3898 )
الطّباطبائيّ : تخصيص الإبل بالذّكر من جهة أنّ السّورة مكّيّة ، وأوّل من تتلى عليهم الأعراب ، واتّخاذ الآبال من أركان عيشهم . ( 20 : 274 )
خليل ياسين : س - الفيل أعظم من الإبل في الأعجوبة فهلّا مثّل به ؟
ج - العرب بعيدوا العهد بالفيل ، ثمّ هو خنزير لا يركب ظهرها ، ولا يؤكل لحمها ، ولا يحلب درّها . والإبل من أعزّ مال العرب وأنفسه ، تأكل النّوى والقتّ وتخرج اللّبن ، ويؤكل لحمها ، ويركب ظهرها ، وتحمل الأثقال عليها ، ويأخذ الصّبيّ بزمامها فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها . ( 2 : 314 )
المصطفويّ : مضافا إلى حواسّها وأعضائها الحيوانيّة خلقت للرّكوب في الأسفار وحمل الأثقال بالخلقة المتناسبة لها ، وقدرة التّحمّل والصّبر على الجوع والعطش . ( 1 : 12 )
الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة هو الإبل ، ومنه تفرّعت سائر المعاني . فالكثرة أخذت من عظمة خلقتها ، والاجتزاء أخذ من صبرها على الماء القليل ، وقناعتها بالكلأ الرّطب ، وهي صفة كامنة فيها .
وتجوّزوا في استعمال بعض هذه المعاني بإطلاقها على
هامش
( 1 ) يقصد الإمام الفخر الرّازيّ .