التّوحيد ، وذكر جميعها غير ممكن ، فكلّ طائفة منها تخصّ بالذّكر ، ورد هذا السّؤال فوجب الحكم بسقوطه .
ولعلّ في ذكر هذه الأشياء الّتي لا تناسب في الظّاهر تنبيها على أنّ هذا الوجه من الاستدلال غير مختصّ بنوع دون نوع ، بل هو عامّ في الكلّ .
ومنها : أنّ المراد بالإبل السّحاب على طريق التّشبيه والمجاز ، فإنّ العرب كثيرا تشبّه السّحاب بالإبل في أشعارهم .
ومنها أنّ تخصيص الإنسان بالاستدلال منه على التّوحيد يستتبع الوقوع في الشّهوة والفتنة ، وكذا الفكر في البساتين والنّزهة والصّور الحسنة ، فخصّ الإبل بالذّكر لأنّ التّفكّر فيها متمحّض لداعية الحكمة ، وليس للشّهوة فيها نصيب .
على أنّ إلف العرب بها أكثر كما مرّ ، وكذا السّماء والأرض والجبال دلائل الحدوث فيها ظاهرة ، وليس فيها نصيب للشّهوة . ( 30 : 84 )
الخازن : فإن قلت : كيف حسن ذكر الإبل مع السّماء والأرض والجبال ولا مناسبة بينهما ؟ ولم بدأ بذكر الإبل قبل السّماء والأرض والجبال ؟
قلت : لمّا كان المراد ذكر الدّلائل الدّالّة على توحيده وقدرته وأنّه هو الخالق لهذه الأشياء جميعها ، وكانت الإبل من أعظم شيء عند العرب ، فينظرون إليها ليلا ونهارا ، ويصاحبونها ظعنا وأسفارا ، ذكّرهم عظيم نعمته عليهم فيها ولهذا بدأ بها ، ولأنّها من أعجب الحيوانات عندهم . ( 7 : 200 )
أبو حيّان : قرأ الجمهور ( الإبل ) بكسر الباء وتخفيف اللّام ، والأصمعيّ عن أبي عمرو بإسكان الباء ، وعليّ وابن عبّاس بشدّ اللّام ، ورويت عن أبي عمرو وأبي جعفر والكسائيّ ، وقالوا : إنّها السّحاب ، عن قوم من أهل اللّغة . ( 8 : 464 )
البروسويّ : لم يذكر الفيل مع أنّه أعظم خلقة من الإبل ، لأنّه لم يكن بأرض العرب ، فلم تعرفه ولا يحمل عليه عادة ولا يحلب درّه ، ولا يؤمن ضرّه .
( 10 : 416 )
الآلوسيّ : أي أينكرون ما أشير إليه من البعث وأحكامه ويستبعدون وقوعه من قدرة اللّه عزّ وجلّ ، فلا ينظرون إلى الإبل الّتي هي نصب أعينهم يستعملونها كلّ حين ، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا به عن سنن خلق أكثر أنواع الحيوانات ، في عظم جثّتها وشدّة قوّتها ، وعجيب هيآتها اللّائقة بتأتّي ما يصدر عنها من الأفاعيل الشّاقّة ، كالنّوء بالأوقار الثّقيلة وهي باركة ، وإيصالها الأثقال الفادحة إلى الأقطار النّازحة ، وفي صبرها على الجوع والعطش حتّى أنّ ظمأها ليبلغ العشر - بكسر فسكون - وهو ثمانية أيّام بين الوردين ، وربّما يجوز ذلك ، وتسمّى حينئذ الحوازي - بالحاء المهملة والزّاي - واكتفائها بالسّير ورعيها لكلّ ما يتيسّر من شوك وشجر وغير ذلك ممّا لا يكاد يرعاه سائر البهائم ، وفي انقيادها مع ذلك للإنسان في الحركة والسّكون والبروك والنّهوض ؛ حيث يستعملها في ذلك كيف يشاء ، ويقتادها بقطارها كلّ صغير وكبير ، وفي تأثّرها بالصّوت الحسن على غلظ أكبادها إلى غير ذلك ؟
وخصّت بالذّكر لأنّها أعجب ما عند العرب من
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 143
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص١٤٣