الآدميّين ، فقالوا : أبل الرّجل وتأبّل عن امرأته ، إذا اجتزأ عنها وتوحّش ، كما يجتزئ الوحش عن الماء .
وأبل الرّجل يأبل أبالة ، إذا تنسّك وترهّب ، ولذا يقال للرّاهب : أبيلا ، لأنّه اجتزأ بالعبادة عن النّساء ولذيذ العيش .
2 - وأمّا الأبلّ فهو « أفعل » من « ب ل ل » ، وهو الجريء المقدام من الرّجال الّذي لا يستحي ولا يبالي .
ويقال : هو الفاجر الشّديد الخصومة . ويقال : هو الحذر الأريب .
والوبيل من « وب ل » ، وهو يدلّ على الشّدّة والثّقل ، لاحظ « وب ل » .
وأمّا « أبلته » من الحديث : « كلّ مال زكّي عنه ذهبت أبلته » ، فهمزته مبدلة من « واو » ، أراد « وبلته » ، أي فساده .
3 - فتبيّن ممّا تقدّم أنّ اللّغويّين خلطوا في هذه المادّة بين أصول ثلاثة هي : « أب ل » و « ب ل ل » و « وب ل » ، وليس كلّها من « أب ل » . فما كان فيه معنى الكثرة والاجتزاء فهو من هذا الباب ، وما فيه معنى الثّقل فهو من « وب ل » ، وما فيه معنى الامتناع والخصومة فهو من « ب ل ل » .
الاستعمال القرآنيّ
فيها آيتان :
الأولى :
وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ . . .
الأنعام : 144 .
وفيها بحوث :
1 - تعتبر الإبل من الأنعام في القرآن ، كما هي في اللّغة ، لقوله تعالى :
وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً
الأنعام : 142 ، ثمّ يفسّره بقوله :
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ . . .
الأنعام : 143 ،
وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ . . .
الأنعام : 144 .
2 - وجاء كلّ من الأنعام مقرونا بمثله ، فالإبل والبقر متشابهان في الجسم وفي المنافع ، وهي اللّحم واللّبن والحمل والرّكوب ، والضّأن والمعز كذلك عدا الحمل والرّكوب . كما يلحظ تناسب الألفاظ في القرينين ؛ فالضّأن والمعز كلاهما على وزن « فعل » والإبل والبقر على وزني « فعل » و « فعل » ، ولا يخفى ما فيها أيضا من عذوبة اللّفظ وحلاوته ، لا سيّما وأنّ زيادة الحركة في الإبل والبقر تدلّ على زيادة المنفعة ؛ إذ زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني .
3 - وقدّمت الضّأن على المعز إشعارا بكثرتها وإصالتها عند العرب ، كما أنّ تقديم الإبل على البقر يدلّ على ذلك .
4 - وذكر الإبل كان خطابا موجّها إلى المشركين ، وذكر البقر والغنم في الآيات التّالية كان حكاية عن اليهود :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما . . .
الأنعام :
146 ، إشعارا بأنّ الإبل هي حيوان العرب دون اليهود ، ولعلّ الاكتفاء بذكر الغنم في آخرها دون المعز يدلّ على اختصاص المعز بالعرب أيضا .
الثّانية :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ *