فهذه الجهات الثلاث ، هي التي تكون النجوى - أي : الحديث الجانبى فيها - خيرا مشروعا مثابا عليه .
أما الأحاديث الجانبية التي يتآمر فيها المتآمرون على الإضرار بعباد اللّه ، أو يتناجى فيها المتناجون بالمعاصي والهذيان ؛ فلا خير فيها ولا ثواب عليها ، بل يعاقب عليها ؛ لأنها كانت في معصية اللّه تعالى .
فإنما يثاب الإنسان على المعروف ، إذا ترك الامتنان والإعجاب به ، ولا يتم المعروف - كما قال ابن عباس - رضى اللّه عنهما : - « إلا بثلاث : تعجيله ، وتصغيره ، وستره . فإذا عجّلته هنأته 95 وإذا صغّرته عظمته ، وإذا سترته أتممته » .
وقد دعت الآية الكريمة إلى فضيلة الإصلاح بين الناس ، وجعلتها خيرا مثابا عليه ؛ لما لها من الأثر العظيم فيهم ، حيث تحلّ الوئام محل الخصام ، والراحة النفسية محل القلق ، والتفكير في الخير مكان التفكير في الشر ؛ فيسود الأمن والسلام .
وقد أباح الإسلام الكذب الأبيض في سبيل الإصلاح ، مع أن الكذب - بصفة عامة - حرام ؛ لأن هذا غير ضار بأحد . وهو مؤدّ إلى مصلحة مؤكدة ، كأن تقول لكلا الخصمين عن صاحبه : سمعته يثنى عليك ويصفك بطيب النية ، وحسن الطوية والمروءة ، ونحو ذلك مما يلين قلب الخصم نحو أخيه في حين أنك لم تسمع ذلك منه .
وفي ذلك يروى حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه - أم كلثوم بنت عقبة - أنها أخبرته أنها سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ، فينمى خيرا أو يقول خيرا » وقالت : لم أسمعه يرخص في شئ مما يقوله الناس ، إلا في ثلاث : في الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها 96 .
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
. أي : ومن يتناج ويتحدث مع غيره - في خلوة - بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس ، ويرشده إليها وينصحه بها ؛ فسوف يعطيه اللّه على ذلك ثوابا جزيلا : يناسب عظمة المنعم .
وإذا كان هذا ثواب التناجى بها ، والإرشاد إليها ، فثواب فعلها أعظم .
أما أن يأمر بها الإنسان ولا يفعلها ، فذلك جرمه عظيم ، ووعيده شديد ، قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
. ( الصف : 2 ، 3 )