لقد حرص الإسلام على حفظ العقول والأعراض والأموال والأرواح وقد حرم اللّه قتل النفس .
وفي الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث :
الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة » 49 .
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً . . .
أي : وما صح وما استقام لمؤمن صادق الإيمان ، فيما أتاه ربّه في شريعة الإسلام ، أن يقتل إنسانا مؤمنا بغير حق إلا خطأ .
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا . . .
أي : ومن وقع منه القتل الخطأ ، فالجواب عليه في هذه الحالة أن يعتق نفسا مؤمنة ، وأن يؤدى إلى ورثة القتيل دية يقتسمونها كما يقتسمون الميراث ، والدية عوض عن دم القتل ، وهي مائة من الإبل أو قيمتها بالدراهم أو الدنانير ، وقد قدّرها عمر رضى اللّه عنه بألف دينار على من يتعاملون بالذهب ، واثنى عشر ألف درهم على من يتعاملون بالفضة .
روى أبو داود عن عمر رضى اللّه عنه : ( على أهل الإبل مائة بدنة ، وعلى أهل البقر مائتا بقرة ، وعلى أهل الشاة ألف شاة ، وعلى أهل الحلل مائتا حلة ) وتتحمل عشيرة القاتل عنه دفع الدية ، فإن لم تكن له عاقلة ؛ وجبت على بيت المال ، فإن لم يكن فيه ؛ وجبت في مال القاتل ، ولا تسقط هذه الدية ، إلا في حال تنازل أهل القتيل عنها ، وهذا التنازل نوع من المعروف وكل معروف صدقة 50 .
قال تعالى :
إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا
. أي تجب الدية إلا أن يعفو أهل القتيل بالتنازل عنها تطوعا وصدقة ، هذا إذا كان المقتول خطأ مؤمنا : من قوم مؤمنين .
فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ . . .
أي : فإن كان المقتول خطأ من قوم كفار معادين للمؤمنين - وهو مؤمن - فالواجب في هذه الحالة ، عتق رقبة مؤمنة ، وفكاكها من قيد الرق ، وإطلاق حريتها ؛ كفارة عن هذا القتل الخطأ ، ولا دية . . . لأنّها تعود على أعداء المسلمين المحاربين ، ولا يجوز أن يدفع المسلمون أموالهم إلى عدوهم ؛ ليتقوى عليهم بسببها ، ويحاربهم بها .
روى ابن جرير الطبري عن قتادة :
فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
. ولا دية لأهله ؛ من أجل أنهم كفار ، وليس بينهم وبين اللّه عهد ولا ذمة .
وعن ابن عباس قال : كان الرجل يسلم ثم يأتي قومه فيقيم فيهم وهم مشركون ، فيمرّ بهم الجيش لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيقتل فيمن يقتل ، فيعتق قاتله رقبة ولا دية له .
وقال آخرون : بل عنى به الرجل من أهل الحرب ، يقدم دار الإسلام فيسلم ، ثم يرجع إلى دار الحرب ، فإذا مر بهم الجيش من أهل الإسلام هرب قومه ، وأقام ذلك المسلم منهم فيها ، فقتله المسلمون وهم يحسبونه كافرا .