وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ
. أي : ولولا ذلك الذي ألقاه اللّه في نفوسهم ؛ من الميل إلى الموادعة ، والرغبة في الحياد ؛ لكانوا قوة تضاف إلى قوة الأعداء ، وتزيد في آلام المسلمين .
وهكذا يلمس المنهج التربوي الحكيم نفوس المسلمين المتحمسين ، الذين قد لا يرضون هذا الموقف من هذا الفريق ، يلمسه بما في هذا الموقف من فضل اللّه وتدبيره ، ومن كفّ لجانب من العداء والأذى ، كان سيضاعف العبء على عاتق المسلمين 42 .
وجاء في تفسير القرطبي أن هذه الآية فيها خمس مسائل منها :
المسألة الخامسة : قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ . .
تسليط اللّه تعالى المشركين على المؤمنين ؛ هو بأن يقدرهم على ذلك ويقوّيهم ، إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي ، وإما ابتلاء واختبارا كما قال تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ . .
( محمد : 31 ) ، وإما تمحيصا للذنوب كما قال تعالى :
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ . .
( آل عمران : 141 ) .
وللّه أن يفعل ما يشاء ، ويسلّط من يشاء على من يشاء إذا شاء ، ووجه النظم والاتصال بما قبل :
أي : اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم ، إلا أن يهاجروا ، وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق ، فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم ، وإلا الذين جاءوكم ، وقد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ، فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم 43 .
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا . . .
أي : وما دام هؤلاء الذين جاءوكم متحرجين من قتالكم وقتال قومهم ، وقد اختاروا العزلة وعدم القتال ، وسارعوا إلى السّلم والمسالمة فليس لكم عليهم - أيها المسلمون - أي سبيل أو أدني تسلط .
قال ابن كثير : أي : فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك ، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه ، ولهذا نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره 44 .
* * *