إن العلوم التي تقوم على التجارب قد تنقض اليوم ، ما أبرمته بالأمس ، وتهدم غدا ما بنته اليوم .
وفي كتاب للمستشرق : موريس بوكاى بعنوان : ( التوراة ، والإنجيل ، والقرآن في ضوء العلم ) .
أثبت فيه أن العلم قد نقض بعض ما جاء في التوراة عن بدء الخليقة ، وحادث الطوفان ، وغير ذلك . كما نقض العلم بعض ما جاء في الأناجيل .
لكن العلم لم ينقض حقيقة واحدة مما جاء في القرآن الكريم ، فقد تكلم القرآن عن حقائق علمية تتصل بالسماء والأرض ، والجبال والبحار ، والليل والنجوم والشمس والقمر ، والحيوان والنبات والإنسان وغير ذلك ، ومع تطور العلم تطورا ملحوظا في القرن التاسع عشر ، والقرن العشرين الميلاديين ، فإن هذا العلم جاء يؤكد صدق القرآن ؛ لأن هذا القرآن أنزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو أمّى نشأ بين أمّة أمّية ، ولم يكن لديه أجهزة علمية ، أو معامل ليكتشف بها هذه الحقائق الكثيرة التي حفل بها القرآن ، وقد كان النبي رجلا عاديّا عازفا عما عليه قومه ، فلما نزل عليه الوحي ؛ تفجر فمه بالحكمة في قواعد الإيمان ، والأخلاق والسلوك ، والتشريع والقضاء ونظام الحكم ، والعقوبات ، والعبادات ، والمعاملات .
فدل ذلك على أن هذا الوحي ليس من صنع محمد ، وإنما هو تنزيل من حكيم حميد .
وقد تحدى العرب أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة واحدة ، وطالت مدة التحدي ، مع وجود الحافز والباعث لهؤلاء الكفار ، أن يبطلوا حجته فقد قاتلوه وقاتلهم ، وأفنوا الأموال والأعداد من الرجال في سبيل القضاء على دعوته ، فلو كان في استطاعتهم أن يأتوا بمثل القرآن لأتوا به ، لكن العجز قد لزمهم ، وسجّل القرآن هذا العجز بقوله :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
. ( الإسراء : 88 ) .
والمعهود في كبار الأدباء أن تتفاوت آثارهم قوة وضعفا ، وسموّا وضعة ، ولا يسلم أحد من هذا وإن كان عبقري الموهبة رائع البيان .
أما القرآن الكريم فجميع آياته طبقة عليا من البلاغة والبيان ، والسلامة من التناقض والاضطراب مع طول مدة نزوله فقد نزل في 23 عاما ، ومع هذا نجده آية واحدة في حسن السبك وجمال النظم ، وبراعة الاستهلال وتصريف القول ! ؛ فقد حكى عن الأمم السابقة ، وساق مشاهد الكون ، وتناول أخبار القيامة ومشاهد الآخرة ، قال تعالى :
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً
. ( طه : 113 )
وقد أورد ابن كثير في تفسيره ثلاث روايات لحديث ينهى عن الاختلاف والمراء وضرب القرآن بعضه ببعض ومن هذه الروايات ما يأتي :