ونلمح أن بعض المنافقين ، أو بعض ضعاف النفوس ممن شهوتهم الكلام ، كانوا يروّجون أخبار النصر والأمن ، وأخبار الهزيمة والخوف ، وهذه الأمور تسهل للعدوّ مهمة التجسس ، ومعرفة مواطن الضعف والقوة لدى المسلمين .
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
.
فواجب على كل مسلم أن يردّ هذه الأخبار إلى أولى الحلّ والعقد من المسلمين ؛ فإنهم هم الذين يستطيعون تقييم هذه الأخبار ، وتقدير ما إذا كان من المصلحة العامة للدولة إذاعتها أو كتمانها ، كذلك هم - باطّلاعهم على خفايا الأمور - أعرف بصحة تلك الأخبار أو فسادها .
قال ابن كثير :
ونذكر هنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته 30 ، حين بلغه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طلق نساءه ، فاستأذن على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاستفهمه : أطلقت نساءك ؟ فقال لا ، قال عمر : فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : لم يطلّق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نساءه ، ونزلت هذه الآية :
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
. فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر .
ومعنى يستنبطونه : يستخرجونه من معادنه ، يقال : استنبط الرجل العين إذا حفرها واستخرجها من قعورها 31 .
والذين يستنبطون الحقائق ، هم الذين يطّلعون على خفايا الأمور ، أو المراد بهم الذين رجعوا بهذه الأخبار - حينما سمعوها - إلى الرسول وأصحابه ، فإنهم يعرفون - عن طريقهم - ما خفى عليهم أمره من هذه الأخبار .
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
.
ولولا حفظ اللّه لكم ، وتثبيته لقلوبكم ؛ لوقعتم فيما وقع فيه المنافقون ، وضعفاء الإيمان وذوو الغفلة ، ولولا رحمة اللّه بهذه الأمة ؛ لضل الكثير من أبنائها ، باتباع سبيل الشيطان ، ولكان مصيرها الضياع والانهزام ، وضعف الثقة في النفوس .
لكن من عناية اللّه بهذه الأمة ، أن جعل فيها قلة ممتازة ، تتميز بقوة العزيمة ، وثبات الإيمان ، وعدم تصديق الأراجيف أو إذاعتها ، وهذه القلة بمثابة الأساس المتين الذي يقوم عليه البناء ويعتمد عليه ، ويصح أن يكون المراد بقوله :
لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
. إلا في قليل من أعمالكم .
وبالتأمل فيما تضمنته الآية الكريمة من إرشادات حكيمة ، يتضح أن القرآن الكريم ، قد سبق جميع النظم الحربية ، في وضع أقوى الوسائل لمواجهة ما يسمى الآن : الحرب النفسية ، أو حرب الأعصاب . وهي التي تدير الحرب العسكرية .
* * *