ونحن نؤمن بالقضاء والقدر ، ونؤمن بأن بيد اللّه الخلق والأمر ، ومع هذا فإن للعبد كسبا واختيارا ، وإرادة محدودة مسؤولة . والجمع بين إرادة اللّه ، وإرادة العبد يحتاج إلى شئ من الانحناء والتسليم .
فبالنسبة لأحداث الكون كلها فهي من عند اللّه ، وبحكمته وبالنسبة لأعمال الإنسان ، فهو إذا اختار طريق الهدى ؛ أعانه اللّه عليه وسدد خطاه ، وإذا اختار طريق الضلال ؛ سلب اللّه عنه الهدى ، ووكله إلى نفسه فكان هو السبب فيما يصيبه من بلاء في الدنيا أو عذاب في الآخرة .
فالآية الثانية مختلفة عن الآية الأولى :
الآية الأولى : تشير إلى أن كل ما يقع في الكون بإذن اللّه ، والآية الثانية : تشير إلى أن العبد إذا أطاع اللّه ؛ أيده اللّه بتوفيقه ، وإذا عصاه ؛ وكله اللّه إلى نفسه .
قال الزمخشري :
ما أَصابَكَ
. يا إنسان : خطابا عامّا من حسنة . أي : من نعمة وإحسان
فَمِنَ اللَّهِ
. تفضيلا منه وإحسانا وامتنانا وامتحانا .
وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ
. أي : من بلية ومصيبة فمن عندك ؛ لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك ،
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
. ( الشورى : 30 ) وعن عائشة رضى اللّه عنا : « ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها ، حتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو اللّه أكثر » 22 .
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
. أي : رسولا للناس جميعا لست برسول العرب وحدهم أنت رسول العرب والعجم ، كقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ
. ( سبإ : 28 ) وقال تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
. ( الأعراف : 158 ) .
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
. على صدق رسالتك ، وأنك أبلغت ما أنزل اللّه عليك ، وأدّيت واجبك أكمل أداء ، بإخلاص ويقين : تبشر الناس وتنذرهم ، واللّه تعالى خير شهيد على ذلك .
وفي تقرير رسالته صلى اللّه عليه وسلم تطمين لقلبه ، وتقوية لعزمه ، كما أن فيه زيادة كبت لهم ، وتأكيد لجهلهم ، وعدم فقههم .
80 -
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
.
أرسل اللّه رسوله محمدا صلى اللّه عليه وسلم على حين فترة من الرسل فختم به الرسالات ، وأنزل عليه وحى السماء ، وجعل طاعة الرسول فيما يبلغه عن ربّه واجبة ؛ لأن طاعته طاعة لوحى اللّه وأمر اللّه ، قال تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
. ( النجم : 3 ، 4 ) .