تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 877

مساهمون:

ص٨٧٧
حوله اللّه إلى المدينة ، أمره بالقتال فكفوا ، فأنزل اللّه :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ . . . .
19 أي : ألم ينته إلى علمك - يا محمد - حال أولئك الذين كانوا يتمنون القتال - وهم بمكة - قبل أن يأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لهم فيه ؛ رغبة في التخلص من إيذاء المشركين المستمر لهم ؟ ! وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يستمهلهم ويقول لهم - وهم بمكة - : كفوا أيدكم عن قتال المشركين حتى يأذن اللّه فيه ، وتفرغوا لتطهير أنفسكم وتزكيتها : بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة 20 ، وإعدادها للجهاد حين يأذن اللّه به فيه ؟ ! والاستفهام لتعجيب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومن معه ، وكل من يتأتى منه ذلك إلى يوم القيامة - تعجيب لهم - من حال هؤلاء الذين تحدثت الآية عن شأنهم .
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
. أي : فلما فرض اللّه القتال على المؤمنين - بعد الهجرة - استولى الخوف على الكفار - على نفوس فريق منهم ، وهم المنافقون ، وتهيبوا قتال الناس خشية القتل أو الأسر ، وملأ الرعب قلوبهم فأصبحوا يخافون قتال الكفار كخوف المتقين من اللّه . بل أصبح خوفهم من الناس أشد من خوف المتقين من ربهم .
وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
. أي : وقالوا - في ضيق ورعب وجزع من الموت - : يا ربنا ، لم فرضت علينا القتال ؟ ! هلا أخرت فرضه علينا إلى مدة قريبة ؟ ! حبا في التمتع بالدنيا . والمدة القريبة غير محدودة فهي - عندهم - انتهاء آجالهم دون قتال أو : يا ربنا ، هلا زدتنا في مدة الكف إلى وقت آخر ، قابل للتجديد ؟ ! حذرا من الموت ، وهربا من الجهاد ؛ فقال اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا . . .
متاع الدنيا كله قليل ، فما بال أيام أو أسابيع أو شهور أو سنين ؟ ! وما قيمة هذا الإمهال لأجل قصير ، إذا كان متاع الحياة الدنيا بطولها في جملته قليلا ؟ ! ما الذي يملكون تحقيقه من المتاع في أيام أو أسابيع أو شهور أو سنين ، ومتاع الدنيا كله ، والدنيا بطولها قليل ؟ !
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى
. أي : وثواب الآخرة خير لكم من المتاع القليل ، لمن اتقى اللّه ، ولم يخش إلا اللّه ، وتأتى التقوى هنا في موضعها للمقابلة بين من يخاف الناس ومن يخاف اللّه ، فالذي يخاف اللّه لا يخاف الناس ، والإنسان لا يملك لك نفعا أو ضرا إلا بإذن اللّه .
وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
. والفتيل : الخيط الموجود في شق النواة ؛ أي : إن اللّه هو الذي يجازى الأتقياء جزاء الكريم العليم ، ولا ينقصون من أجورهم شيئا مهما كان قليلا ، قال تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
. ( الزلزلة : 7 ، 8 )
تفسير القرآن الكريم — صفحة 877 | عبد الله محمود شحاتة