78 -
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ . . .
هذه الآية تقرر قاعدة عامة ، وإن كان المراد بها المنافقين ، أو ضعفة المؤمنين ، الذين قالوا :
لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
. أي : إلى أن نموت بآجالنا 21 .
والمعنى : في أىّ مكان تكونون فيه - في ساحة القتال ، أو بين أهليكم مواطن أمنكم ، أو خوفكم ، سينزل بكم الموت عند انتهاء آجالكم ، ولو كنتم في حصون منيعة أو قصور عالية .
جاء في تفسير القرطبي :
قال ابن عباس : البروج : الحصون والآطام والقلاع ، ومعنى مشيّدة : مطوّلة أو محصنة بالشّد وهو الجصّ ، والمشيّد والمشيد سواء ، ومنه :
وَقَصْرٍ مَشِيدٍ
. ( الحج : 45 ) ، وفي هذه الآية تأنيب للجبناء أو المنافقين ، الذين ضاقوا بما فرض اللّه عليهم من القتال ، وإبراز لحماقة تفكيرهم ، فإن الجبن لا يطيل عمرا وإنما يجلب ذلا ، والشجاعة لا تنقص أجلا وإنما تورث عزّا .
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
.
هذا بيان لنقيصة أخرى من نقائصهم ، فهم يتطيرون بالنبي - فيظنونه - حاشاه - شؤما عليهم أو هم يريدون عامدين تجريح قيادة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ؛ تخلصا من التكاليف التي يأمرهم بها .
فقد كانوا يقولون : إذا حلت بهم نعمة ، من سعة في الرزق ، وكثرة في الأموال والأولاد ، هذا الذي أصابنا من النعم من عند الله ، قالوا ذلك ، لا عن إيمان بالله ، واعتراف بفضله ، بل قالوه ؛ تهوينا لشأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإشارة إلى أنه لا يأتيهم بخير ، يدل على ذلك ما حكاه القرآن عنهم بقوله :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ
. أي : وإن يصبهم جدب وقحط ، ونقص في الأموال والأولاد ونحو ذلك ؛ قالوا : أصابنا ذلك بشؤمك الذي لحقنا . . .
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
. إن اللّه هو الفاعل الأول ، والفاعل الأوحد ، لكل ما يقع في الكون وما يقع للناس ، فهو وحده الذي يملك النفع والضرّ ولا يقع في ملكه إلّا ما يريد .
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
. فما شأن هؤلاء القوم ؟ وما ذا أصاب عقولهم ، حتى أصبحوا بعيدين عن الفهم والإدراك لما يسمعون ولما يقولون ، ولا يفهمون أن كلا من الخير والشر من عند اللّه وحده ، وأن اللّه هو الباسط القابض وكل ذلك صادر عن حكمة وصواب .
79 -
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . . .
الآية
قررت الآية السابقة أن كل ما يقع في الكون فهو بإرادة اللّه العليا ، وقضائه وقدره .