والمعنى : أي شئ لكم حتى لا تقاتلوا ؟ ! أي لا عذر لكم في ترك القتال فالاستفهام في الآية الكريمة ، لإنكار واستقباح التخلف عن الجهاد في سبيل اللّه ، وفي سبيل إنقاذ المستضعفين من الشيوخ الكبار ، والنساء ، والأطفال .
جاء في ظلال القرآن :
ومشهد المرأة الكسيرة والولد الضعيف ، مشهد مؤثر مثير ، لا يقل عنه مشهد الشيوخ الذين لا يملكون أن يدفعوا - وبخاصة حين يكون الدفع عن الدين والعقيدة - وهذا المشهد كله معروض في مجال الدعوة إلى الجهاد ؛ وهو وحده يكفى ؛ لذلك يستنكر القعود عن الاستجابة لهذه الصرخات .
وهو أسلوب عميق الوقع . بعيد الغور في مسارب الشعور والإحساس 16 .
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً
. أي : لا عذر لكم في ترك القتال ؛ لتخليص المستضعفين ، الذين عذبهم المشركون بمكة ، فاتجهوا إلى اللّه عزّ وجل ضارعين قائلين : اللهم ربنا ، هيئ لنا الخروج من مكة ، والهجرة منها ؛ فرارا بديننا ، من أهلها الطغاة الظالمين ، وهيئ لنا بفضلك وليا ، يتولى أمورنا ويحمينا منهم ، وهيئ لنا من عندك من ينصرنا عليهم .
أخرج البخاري عن ابن عباس قال : كنت أنا وأمّى من المستضعفين . فهي من النساء ، وهو من الولدان 17 .
وعن مجاهد قال : أمر المؤمنون أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة ونسبة الظلم إلى أهل مكة ، تشريف لها عن نسبة الظلم إليها ، فهو مقصور على أهلها المشركين .
76 -
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
.
لقد وضّح القرآن المنهج ورسم طريق العقيدة السليمة من الإيمان باللّه ، وامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ؛ كما ربّى القرآن المسلمين تربية إسلامية ، فرعى يقينهم ووجدانهم ، وضميرهم وقلبهم وعقلهم ، وقدّم لهم غذاء العقيدة بالقصص والمشاهد ، وأخبار القيامة والبعث والجزاء ؛ فنشأ المؤمنون نشأة متكاملة ؛ كأنهم خلقوا من جديد بالعقيدة والإيمان والإسلام ، وحين بدأ القتال اكتسح الإسلام الأعداء ، بقوة لم يعرف لها التاريخ مثيلا .
فمعارك الإسلام في الجزيرة العربية : في بدر ، وأحد ، والخندق ، والحديبية ، وفتح مكة ، وغزوة حنين ، والطائف ، وغزوة تبوك ، كتب فيها النصر للقلة المؤمنة على الكثرة الكافرة .