دعاه في الأولى منها إلى عدم الحزن على مسارعة الكفار في إنكار رسالته .
ودعاه في هذه الآية إلى تبليغ جميع ما أنزل عليه من الآيات البينات ؛ لعموم رسالته للبشر أجمعين .
والمعنى : يا أيها الرسول الكريم ، المرسل إلى الناس جميعا ،
بَلِّغْ
. أي : أوصل إليهم
ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
. أي : كل ما أنزل إليك من ربك من الأوامر والنواهي والأحكام والآداب والأخبار . . دون أن تخشى أحدا إلا اللّه .
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
. وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك من ربك ؛ كنت كمن لم يبلغ شيئا مما أوحاه اللّه إليه ، لأن ترك بعض الرسالة يعتبر تركا لها كلها ، وتقصيرا في أداء الأمانة ، وحاشاه صلى اللّه عليه وسلم أن يقصر في حق اللّه تعالى .
جاء في الصحيحين أن سائلا سأل الإمام عليا رضى اللّه عنه : هل عندكم شئ من الوحي إلا ما كان في كتاب اللّه ؟ فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النّسمة إلا فهما يعطيه اللّه رجلا في القرآن . 155
وروى البخاري والترمذي : « من حدّثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل عليه ؛ فقد كذب » 156 .
لقد قال اللّه تعالى
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
. ( الحجر : 9 ) وفيها دلالة على أن اللّه تعالى تكفل بحفظ كتابه الذي أمر الرسول بتبليغه فبلغه .
قال الزهري - فيما رواه البخاري - من اللّه الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم ، وقد شهدت أمته له بتبليغ الرسالة في حجة الوداع ، وقد أدى هذه الشهادة أربعون ألفا حضروا معه حجة الوداع .
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
. أي : بلغ الرسالة ، واللّه تعالى - يحفظك من كيد أعدائك ويمنعك من أن تعلق نفسك بشيء من شبهاتهم واعتراضاتهم ، ويصون حياتك من أن يعتدى عليها أحد بالقتل أو الإهلاك .
وهذا لا ينافي ما تعرض له - صلى اللّه عليه وسلم - من بأساء وضراء وأذى بدني ، فقد رماه المشركون بالحجارة حتى سالت دماؤه ، وشج وجهه ، وكسرت رباعيته في غزوة أحد ، والمراد بالناس هنا :
المشركون والمنافقون واليهود ومن على شاكلتهم في الكفر والضلال والعناد .
ولقد تضمنت هذه الجملة الكريمة معجزة كبرى للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فقد عصم اللّه تعالى حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم من أن يصيبها قتل أو إهلاك على أيدي الناس مهما دبروا له من مكر وكيد ، لقد نجاه من كيدهم عندما اجتمعوا لقتله في دار الندوة ليلة هجرته إلى المدينة .