غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا
. وهو دعاء عليهم بالشح المرير وبالبخل الشنيع بأن يخلق سبحانه فيهم الشح الذي يجعلهم منبوذين من الناس ، ومن ثمّ كان اليهود أبخل خلق اللّه ، وحكم عليهم بالطرد من رحمة اللّه تعالى .
قال الآلوسي : ويجوز أن يكون المراد بغلّ الأيدي : الحقيقة أن يغلّوا في الدنيا أسارى ، وفي الآخرة معذبين في أغلال جهنم ، ومناسبة هذا لما قبله حينئذ من حيث اللفظ فيكون تجنيسا ، وقيل من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقول : سبّنى سبّ اللّه دابره أي : قطعه ؛ لأن السبّ أصله القطع 150 وقد حقق اللّه قضاءه فيهم ، فكانوا أبخل الناس في الدنيا ، وأحرصهم على المال ، وباءوا في الآخرة بالخلود في النار .
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
. أي : ليس الأمر كما زعمتم أيها اليهود ، بل هو سبحانه الواسع الفضل ، الجزيل العطاء ، وما من شئ إلا عنده خزائنه .
فبسط اليد هنا : كناية عن الجود والفضل والإنعام منه - سبحانه - على خلقه وقد أشير بثنية اليد إلى تقرير غاية جوده وغناه .
فإن أقصى ما تصل إليه همة الجواد السخى أن يعطى بكلتا يديه .
وقوله :
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
. جملة مستأنفة واردة ؛ لتأكيد كمال جوده ، والدلالة على أنه ينفق على مقتضى حكمته ومشيئته ، فهو يبسط الرزق لمن يشاء ويقبضه عمن يشاء ؛ لحكمة يعلمها ولا نعلمها .
قال تعالى :
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
( الشورى : 27 )
وقال تعالى :
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
. ( آل عمران : 26 )
وروى البخاري ، ومسلم ، وأحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى قال : أنفق أنفق عليك » 151 وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يمين اللّه ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء 152 الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ، قال : وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض . 153