وقد قال تعالى في شأنهم أيضا :
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
. ( آل عمران : 72 )
62 -
وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
.
أي : وترى - أيها الرسول الكريم - كثيرا من هؤلاء اليهود يسارعون في ارتكاب الآثام والظلم وأكل المال الحرام بدون تردد أو تريث .
لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
. تذييل . قصد به تقبيح أعمالهم التي يأباها الدين والخلق الكريم .
وفي هذه الآية نجد أن اللّه تعالى قال :
وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ
. ولم يقل : وتراهم ؛ لأن قليلا منهم كانت فيهم إنسانية فيستحيون ، فيتركون المعاصي .
وأكثر ما يستعمل لفظ المسارعة في الخير قال تعالى :
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ
. ( المؤمنون : 56 )
فاستعماله هنا يدل على أنهم كانوا يرتكبون المعاصي وكأنهم على حق فيما يفعلون .
63 -
لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ
.
أي : هلّا قام العلماء بالنهى عن التسابق إلى ارتكاب المعاصي والانغماس في الشهوات ؟
السّحت : هو المال الحرام كالربا والرشوة ، سمى سحتا من سحته إذا استأصله ؛ لأنه مسحوت البركة أي : مقطوعها ، أو لأنه يذهب فضيلة الإنسان ويستأصلها ، واليهود أرغب الناس في المال الحرام وأحرصهم عليه ، و
الرَّبَّانِيُّونَ
: جمع رباني وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم .
وَالْأَحْبارُ
: جمع حبر ، وهم علماء اليهود وفقهاؤهم المفسرون لما ورد في التوراة من أقوال وأحكام .
جاء في فتح القدير للشوكاني عند تفسير الآية :
أي : لقد ترك علماؤهم نهيهم عن المنكر الذي يقولونه بألسنتهم ، وما يأكلونه من الحرام والرشا والظلم .
لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ
. فبئس الصنيع من علمائهم هذا التهاون في إبقائهم واقعين في الحرام دون إنكار ولا تغيير ، فوبخ سبحانه الخاصة وهم العلماء التاركون للأمر والنهى عن المنكر ، بما هو أغلظ وأشدّ من توبيخ فاعلى المعاصي ، فهم أشدّ حالا ، وأعظم وبالا من العصاة ، فرحم اللّه عالما قام بما أوجبه اللّه عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر 143 .