قال الدكتور محمد سيد طنطاوي :
فاعلم أن حكمة اللّه قد اقتضت أن يعاقبهم بسبب هذه الذنوب متى اقترفوها بتوليهم عن حكم اللّه وإعراضهم عنك وانصرافهم عن الهدى والرشاد إلى الغىّ والضلال ؛ لأن الأمة التي لا تخضع لأحكام شرع اللّه وتسير وراء لذائذها ومتعها وشهواتها وأهوائها الباطلة لا بد أن يصيبها العقاب الشديد بسبب ذلك .
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ
. اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله ومتضمن تسلية الرسول صلى اللّه عليه وسلم عمّا لقيه من مخالفيه ولا سيما اليهود .
أي : وإن كثيرا من الناس لخارجون عن طاعتنا ، ومتمردون على أحكامنا ، ومتبعون لخطوات الشيطان الذي استحوذ عليهم ، وإذا كان الأمر كذلك فلا تبتئس يا محمد عما لقيته من أصحاب النفوس المريضة ، بل اصبر حتى يحكم اللّه بينك وبينهم .
* * *
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 50 ]
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 )
التفسير :
50 -
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ . . . .
هذا إنكار وتعجب من حالهم وتوبيخ لهم .
والمعنى : أينصرفون عن حكمك بما أنزل اللّه ويعرضون عنه فيبغون حكم الجاهلية مع أن ما أنزله اللّه إليك من قرآن فيه الأحكام العادلة التي ترضى كل ذي عقل سليم ومنطق قويم .
قال الآلوسي : روى أن بنى النضير لما تحاكموا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - في خصومة قتيل وقعت بينهم وبين بني قريظة ، طلب بعضهم من رسول اللّه أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل .
فقال صلى اللّه عليه وسلم : « القتلى بواء » أي : متساوون .
فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بحكمك ؛ فنزلت هذه الآية 124 .
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
. أي : ومن أعدل من اللّه في حكمه لمن عقل عن اللّه شرعه ، وآمن به وأيقن ، وعلم أنه سبحانه أحكم الحاكمين ، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها ، فإنه تعالى هو العالم بكل شئ والقادر على كل شئ والعادل في كل شئ .