تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 1097

مساهمون:

ص١٠٩٧
قال ابن كثير : جعل اللّه هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها ، جعله أشملها وأعظمها وأكملها ؛ لأنه سبحانه جمع فيه محاسن ما قبله من الكتب وزاد فيه من الكمالات ما ليس في غيره ، فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها ، وتكفل سبحانه بحفظه بنفسه فقال :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
. ( الحجر : 9 )
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
. أي : فاحكم بين أهل الكتاب بالحق الذي أنزل إليك في كتابه الكريم ؛ فإنه المرجع السماوي الصحيح ، المحفوظ من التحريف ، وكل ما لا يتوافقه في التوراة والإنجيل منسوخ يحرم العمل به .
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
. أي : أهواء أهل الملل السابقة ، ولا تعدل أو لا تنحرف
عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
. أي : الحق الذي أنزل اللّه عليك ، فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر على ما هم عليه ، وما أدركوا عليه سلفهم ، وإن كان باطلا منسوخا أو منحرفا عن الحكم الذي أنزله اللّه على الأنبياء ، كما أرادوا في الرجم ونحوه مما حرفوه من كتب اللّه 121 .
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً
. أي : لكل أمة منكم يا بني آدم جعلنا شريعة تناسب أحوالها وزمانها
وَمِنْهاجاً
. أي : طريقا واضحا تسير عليه في تنفيذ أحكام شريعتهم . فقد جعل اللّه التوراة لأهلها ، والإنجيل لأهله ، والقرآن لأهله . وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن ، وأما بعده فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم 122 . وقال ابن كثير : هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان ، باعتبار ما بعث اللّه به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة ، والأنبياء إخوة لعلّات ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد » 123 . أي : في التوحيد الذي أرسل به كل رسول أرسله ، وضمّنه كل كتاب أنزله . قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
. ( الأنبياء : 25 )
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
. بشريعة واحدة ، وكتاب واحد ، ورسول واحد .