[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 49 ]
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ ( 49 )
التفسير :
49 -
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ . . . .
أي : إن جاءوك لتحكم بينهم فأردت أن تحكم ؛ فليكن حكمك طبقا لما أنزل اللّه عليك لا طبقا لما تهواه أنفسهم أو طبقا لما في كتبهم من التحريف .
روى ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنّ هذه الآية نزلت في كعب ابن أسد ، وعبد اللّه بن صوريا ، وشاس بن قيس وغيرهم ، فقد قالوا فيما بينهم : اذهبوا إلى محمد ، لعلنا نفتنه عن دينه ، فأتوه ، فقالوا : يا محمد ، إنك قد عرفت أننا أحبار يهود وأشرافهم وسادتهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا ، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم ، ونؤمن لك ونصدقك فأبى ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فأنزل اللّه الآية :
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
. التي يسيرون عليها ويتبعون طريقها ؛ فإنها أهواء زائغة باطلة .
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
. واحذرهم أن يضلوك أو يصدّوك عن بعض ما أنزلنا إليك ولو كان أقل قليل ، بأن يصوروا لك الباطل في صورة الحق أو بأن يحاولوا حملك على الحكم الذي يناسب شهواتهم .
وقد كرر سبحانه على نبيه صلى اللّه عليه وسلم وجوب التزامه في أحكامه بما أنزل اللّه ؛ لتأكيد هذا الأمر في مقام يستدعى التأكيد ؛ لأن اليهود كانوا لا يكفون عن محاولتهم فتنته - صلى اللّه عليه وسلم - وإغرائه بالميل إلى الأحكام التي تتفق مع أهوائهم .
وإعادة :
ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
. لتأكيد التحذير ، بتهويل الخطب إذا تمكنوا من صرفه عن ذلك .
فَإِنْ تَوَلَّوْا
. أي : أعرضوا عن قبول الحق المنزل ، وأرادوا غيره ، مما يتفق مع أهوائهم .
فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
. ألا وهو ذنب التولي والإعراض عن حكم اللّه والرغبة في خلافه .