الخشية : خوف يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون ذلك على علم بما يخشى منه ، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ . .
107 ( فاطر : 28 )
فالخشية خوف يشوبه تعظيم ومحبة للمخشى ، بخلاف الخوف فهو أعم من أن يكون من مرهوب معظم محبوب أو مرهوب مبغوض مذموم .
والمعنى : إذا كان شأن التوراة ، أن تنفذ أحكامها وتعاليمها فلا تخافوا يا علماء اليهود ، أحدا من الناس كائنا من كان ، وعليكم أن تطبقوا أحكام اللّه كما أنزلها اللّه وأن تجعلوا خشيتكم منّى وحدى ، لا من أحد من الناس فأنا الذي بيدي نفع العباد وضرّهم .
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
. أي : لا تتركوا الحكم بما أنزل اللّه ؛ خوفا من أحد أو رغبة في مصلحة أو رشوة .
قال الدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسير سورة المائدة .
والاشتراء هنا معناه : الاستبدال ، والمراد بالآيات : ما اشتملت عليه التوراة من أحكام وتشريعات وبشارات بالنبي صلى اللّه عليه وسلم .
والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرئاسة والمال والجاه ، وما إلى ذلك من متع الحياة الدنيا .
أي : ولا تستبدلوا بأحكام آياتي التي اشتملت عليها التوراة ، أحكاما أخرى تغايرها وتخالفها لكي تأخذوا في مقابل هذا الاستبدال ثمنا قليلا من حظوظ الدنيا .
وهذا الثمن لا يكون إلا قليلا - وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا - بالنسبة لطاعة اللّه والرجاء في رحمته ورضاه .
وهذا النهى ، وإن كان موجها إلى رؤساء اليهود وأحبارهم ، إلا أنه يتناول الناس جميعا في كل زمان وكل مكان ؛ لأنه نهى عن رذائل يجب أن يبتعد عنها كل إنسان يتأتى له الخطاب . وإلى هذا المعنى أشار الآلوسي بقوله :
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا . .
خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات - إذ انتقل من الحديث عن الأحبار السابقين منهم إلى خطاب هؤلاء المعاصرين للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم - ويتناول غير أولئك المخاطبين بطريق الدلالة 108 .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
.
هذه الآية ، وما يأتي من قوله تعالى :
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
.