وجاءت هاتان الصفتان - سماعون وأكالون - بصيغة المبالغة ، للإيذان بأنهم محبون حبا جما لما يأباه الدين والخلق الكريم ، فهم يستمرءون سماع الباطل من القول ، كما يستمرءون أكل أموال الناس بالباطل .
قال ابن الجوزي :
وفي المراد بالسحت ثلاثة أقوال :
أحدها : الرشوة في الحكم .
والثاني : الرشوة في الدين .
والثالث : أنه كل كسب لا يحل .
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
. أي : فإن جاءك اليهود متحاكمين إليك ، فأنت بالخيار بين أن تحكم بينهم . لأنهم اتخذوك حكما ، أو تعرض عنهم ؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق .
قال الشوكاني في فتح القدير :
وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمّى إذا ترافعا إليهم ، واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم ، فقيل : يجب الحكم بينهم ، وقيل : هو جائز وله أن يردّهم ، ولا يحكم بينهم بشيء .
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً
. أي : وإن اخترت الإعراض عن الحكم بينهم فلن يقدروا على الإضرار بك ؛ لأن اللّه عاصمك من الناس .
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
. أي : وإن اخترت الحكم بينهم ، فالواجب أن يكون الحكم بينهم بالعدل ، الذي أمرك اللّه به وأنزله عليك .
قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
. ( النساء : 58 )
وقال سبحانه :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
. ( المائدة : 49 )
وقريب منه قوله تعالى :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
. ( ص : 26 )
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
: وهو ختام للآية مقرر لما قبله من وجوب الحكم بالعدل إذا ما اختار أن يقضى بينهم .