فقد اقتضت حكمته أنه يمنح هدايته وتوفيقه وعونه ، لمن سار في طريق الهدى وآثر الحق ورغب في السير على الطريق القويم ؛ أما من أعرض عن الهدى وتنكب الجادة ، فإن اللّه تعالى يسلب هداه وتوفيقه عنه ويتركه مفتونا متنكبا طريق الجادة .
قال تعالى :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
. ( طه : 124 - 126 )
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
. أي : هؤلاء المذكورون - من المنافقين واليهود - هم الذين لم يرد اللّه أن يطهر قلوبهم من دنس الكفر والضلالة ، بطهارة الإيمان والإسلام ؛ لأنهم منهمكون في الضلالة ، مصرّون عليها ، معرضون عن طريق الهداية والرشاد .
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
. أما خزى المنافقين : فبهتك سترهم ، واطلاع النبىّ على كفرهم ، وخزى اليهود : بفضيحتهم في إظهار كذبهم ؛ إذ كتموا الرجم ، وبأخذ الجزية منهم .
قال مقاتل : وخزى قريظة بقتلهم وسبيهم ، وخزى النضير بإجلائهم ،
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
؛ بدخولهم النار ، والخلود فيها .
* * *
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 42 ]
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 42 )
المفردات :
أكالون : كثيروا الأكل .
للسحت : السحت ؛ الحرام . كالربا ونحوه .
بالقسط : بالعدل .
التفسير :
42 -
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ . . . .
إن هؤلاء المنافقين واليهود من صفاتهم - أيضا - أنهم كثيرو السماع للكذب ، وكثيرو الأكل للمال الحرام بجميع صوره وألوانه ، ومن كان هذا شأنه فلا تنتظر منه خيرا ولا تؤمل فيه رشدا .