قال أبو السعود : والمسارعة في الشئ : الوقوع فيه بسرعة ورغبة . وإيثار كلمة في . على كلمة ( إلى ) للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه ، وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها ، كإظهار موالاة المشركين ، وإبراز آثار الكثير للإسلام ونحو ذلك .
مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
. وهم المنافقون ،
وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا
. يعنى : اليهود أي : أن المسارعين في الكفر فريقان : فريق المنافقين
الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
، وفريق اليهود
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
. هذا الوصف يعود إلى الفريقين ، أو إلى اليهود خاصة ، أي : الذين يسارعون في الكفر هم سماعون للكذب أي : كثيرو السماع للكذب من أحبارهم ورؤسائهم ، واللام في قوله :
لِلْكَذِبِ
للتقوية أي : أنهم يسمعون الكذب كثيرا سماع قبول وتلذذ ، ويأخذونه ممن يقوله - من أعداء الإسلام - على أنه حقائق ثابتة لا مجال للريب فيها .
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ
. أي : لم يحضروا مجلسك ، وهم طائفة من اليهود ، كانوا لا يحضرون مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ تكبرا وتمردا ، ولكن يوجّهون إليه بعض أتباعهم ؛ ليحضروا مجلسه وينقلوا إليهم كلامه .
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
. من جملة صفات القوم المذكورين ، أي : أنهم يميلون بالتوراة ويحرفون الكلام الوارد فيها ويؤولونه على غير تأويله من حيث لفظه أو من حيث معناه ، ولعل المراد : أنّهم حرفوا التوراة ومما حرفوه : الرجم على الزاني والزانية ، جعلوا بدله تسويد الوجه .
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ . . .
أي : يقولون لأتباعهم السماعين لهم :
إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ
. أي : إن أفتاكم محمد بما تريدون - وهو الجلد - فخذوه واعملوا بموجبه .
جاء في زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي :
« وذلك أن رجلا وامرأة من أشراف اليهود زنيا ، فكرهت اليهود رجمهما ، فبعثوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يسألونه عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا ، وقالوا : إن أفتاكم بالجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فلا تعملوا به » 103
وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا
. أي : وإن أفتاكم محمد بغير ما أفتيناكم به فاحذروه قبول حكمه ، وإياكم أن تستجيبوا له أو تميلوا إلى ما قاله لكم .
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
. ومن يقض اللّه بكفره وضلالته ؛ فلن تستطيع - أيها الرسول الكريم - دفعه عن الضلالة ؛ لأنك لا تملك له من اللّه شيئا في دفع الفتنة عنه .