تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 1080

مساهمون:

ص١٠٨٠
أي : اقطعوا أيديهما جزاء لهما بسبب فعلهما الخبيث ، وكسبهما السيئ وخيانتهما القبيحة ، ولكي يكون هذا القطع لأيديهما
نَكالًا
. أي : عبرة وزجرا - من اللّه تعالى - لغيرهما ؛ حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة . يقال : نكّل فلان بفلان تنكيلا ، أي : صنع به صنيعا يحذّر غيره . وسميت هذه العقوبة نكالا ؛ لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها ؛ حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده ، وفضيحة لأمره ،
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
. واللّه غالب على أمره ، حكيم في شرائعه وتكاليفه . قال الأصمعي : قرأت هذه الآية ، وإلى جنبي أعرابي فقلت : واللّه غفور رحيم ، سهوا ؛ فقال الأعرابىّ : كلام من هذا ؟ قلت : كلام الله ، قال : أعد ؛ فأعدت : واللّه غفور رحيم ، فقال : ليس هذا كلام اللّه ؛ فتنبهت فقلت :
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
. فقال : أصبت هذا كلام اللّه ، فقلت له : أتقرأ القرآن ؟ قال : لا ، قلت : فمن أين علمت أنى أخطأت ؟ فقال : يا هذا
عَزِيزٌ حَكِيمٌ
. فأمر بالقطع ، فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع 97 فقد فهم الأعرابي أن مقتضى العزة والحكمة ، غير مقتضى المغفرة والرحمة ، وأن اللّه تعالى - يضع كلّ اسم موضعه في كتابه . 39 -
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. سبب نزولها : أن امرأة كانت قد سرقت فقالت : يا رسول اللّه ، هل لي من توبة فنزلت هذه الآية 98 . قال ابن كثير : أي : من تاب بعد سرقته وأناب إلى اللّه فإن اللّه يتوب عليه فيما بينه وبينه ، فأمّا أموال الناس فلا بدّ من ردها إليهم أو ردّ بدلها ، وهذا عند الجمهور . فإن كانت توبته قبل أن يرفع أمره إلى القضاء فلا قطع ، كما قال عطاء وجماعة من الفقهاء استنادا إلى قوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. ( المائدة : 34 ) . فإنه وإن نزل في قطّاع الطريق فحكمه عام في جميع الحدود عند هؤلاء العلماء ، وإن كانت توبته بعد أن رفع أمره للقضاء ، أقيم عليه الحدّ فلا يسقط الحد بالتوبة ، بل تنفّذ العقوبة بالنسبة لأحكام الدنيا ، ويقبل اللّه التوبة رجاء القبول في الآخرة . روى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا : يا رسول الله ، إن هذه المرأة سرقتنا ، قال قومها : فنحن نفديها ، فقال رسول اللّه