وقال مالك : يحكم عليه بحكم المحارب . وهو الصحيح ؛ لأن اللّه تعالى - وقّت على لسان نبيه القطع في السرقة ، في ربع دينار . ولم يوقت في الحرابة شيئا ، بل ذكر جزاء المحارب ، فاقتضى ذلك توفية الجزاء - على المحاربة - عن حقه .
ثم إن هذا قياس أصل على أصل . وهو مختلف فيه . وقياس أدنى على أعلى . وذلك عكس القياس وكيف يقاس المحارب على السارق . وهو يطلب خطف المال ، فإن شعر به فر ، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال ، فإن منع منه ، أو صيح عليه وحارب عليه ، فهو محارب ؛ يحكم عليه بحكم المحارب .
قال القاضي ابن العربي : كنت في أيام حكمي بين الناس : إذا جاءني أحد بسارق - وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم ، وأصحابه يأخذون مال الرجل - حكمت فيهم بحكم المحاربين . . فافهموا هذا من أصل الدين ، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين . ا ه
نقول : وهذا ما يسميه علماء القانون : « سرقة بالإكراه » .
وفي المسألة أحكام عظيمة ، وتفاصيل نفيسة ينبغي لأهل القضاء أن يعرفوها ؛ ليطبقوها على الذين يعيثون في الليل والنهار فسادا .
فليتعرفها هؤلاء القضاة من مظانها في كتب التفسير المطولة . المعنية بأحكام القرآن ، وفي كتب الفقه .
ولينفذوها في أولئك المحاربين لله ورسوله ؛ قطعا لدابرهم .
ثم ختم اللّه الآية بقوله :
ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
. أي : ذلك الذي مرّ من جزاء المحاربين ، خزى وذل وفضيحة لهم في الدنيا . . ولهم في الآخرة عذاب عظيم .
وإنما بولغ في جزاء قطاع الطريق ؛ لأنهم يسدّون سبيل الكسب والتجارة على الناس ، ويلزمونهم البيوت ، ويقطعون الأرزاق عن عباد الله ، ويروّعونهم في مآمنهم ، فلذا شرع لهم أشدّ العقاب ، قطعا لدابرهم .
34 -
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
.
أفادت هذه الآية : أن توبة المحاربين - بعد القدرة عليهم - لا تنفعهم ، بل لا بد من أن تقام عليهم الحدود التي وجبت في الآية السابقة .