خلق اللّه آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأسكنه الجنة وخلق حواء من آدم ؛ لتكون له مسكنا وأمنا .
فآدم مخلوق بدون أب أو أم ، وحواء من أب دون أمّ وعيسى من أم دون أب . قال تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
. ( آل عمران : 59 )
فقدرة اللّه على الخلق والإيجاد معروفة ملموسة ، قال تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
. ( يس : 82 )
وهو سبحانه وتعالى على كل شئ قدير ، ومن قدرة اللّه أن أتم خلق عيسى بواسطة نفخ جبريل في جيب درع مريم .
ولما كان خلق عيسى بدون أب ، غلا فيه النصارى فزعموا أنّه إله أو ابن الله ، ولهذا القول الشنيع حكم القرآن عليهم بالكفر وردّ عليهم بما يبطل عقيدتهم حيث قال :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً . . .
أي : قل لأولئك الكفار - يا محمد - : من يقدر أن يمنع اللّه من شئ أراده . . ومن ذلك أن يهلك المسيح ابن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعا ؟ . . لا أحد يستطيع ذلك . . . وهم يقرّون به .
وإذا كان المسيح لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولا عن أمّه - شيئا ؟ فكيف يكون إلها وهو لا يستطيع دفع الهلاك عن نفسه ؟
يقول صاحب الظلال : العقيدة المسيحية انتهت إلى : أن تجعل المسيح هو اللّه - وإن كانت تقول :
بالتثليث كذلك - باعتبار قولهم : اللّه الأب واللّه الابن ، واللّه روح القدس ، وتفسيرهم لهذا التعقيد بأن اللّه واحد ولكن الأقانيم ثلاثة موحدة في اللّه الواحد . . والإسلام يقول :
فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
. فيفرّق تفرقة مطلقة بين ذات اللّه ، وذات عيسى رسول اللّه ، ويقيم التوحيد كاملا دقيقا واضحا لا يحتاج إلى تأويلات غامضة يعز على العقل قبولها ؛ لأنه يعزّ عليه تصورها من وراء تلك المعميات 53
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
. فهو سبحانه وحده له ملك جميع الموجودات ، وله وحده التصرف المطلق فيها ، إحياء وإماتة وإيجادا وإعداما فلا شريك له في ذلك .
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
. أي : يبدع ما يشاء من المخلوقات - على أىّ صورة - وفقا لحكمته جلا وعلا .