وقد قال بعض الفقهاء : بحرمة أكل الصيد الذي أكل منه الجارح ولم يدركه الصائد حيا ؛ لأنه أمسكه على نفسه ، وقال مالك والليث : يؤكل وإن أكل منه الكلب .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا أكل الكلب من الصيد فلا يؤكل منه ، ويؤكل صيد البازي وإن أكل منه ؛ لأن تأديب سباع الطير إلى حد ألا تأكل منه متعذر ، بخلاف الكلاب ، فإنه غير متعذر ، وإذا أدرك الصائد ما أكل منه السبع حيا حياة مستقرة ، فذكّاه - أي : ذبحه - حل أكله اتفاقا ؛ لقوله تعالى :
وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ
. وإن كانت حياته غير مستقرة وذكاه ، فالحكم كذلك عند الجمهور لعموم الآية .
قال أبو طلحة الأسدي : « سألت ابن عباس عن ذئب عدا على شاة فشق بطنها ، ثم انتثر قصبها - أي أمعاؤها - فأدركت ذكاتها ، فذكّيتها ، فقال : كل ، وما انتثر من قصبها فلا تأكل » .
قال إسحاق بن راهويه : السنّة في الشاة ، على ما وصف ابن عباس ، فإنها - وإن خرجت أمعاؤها - فهي حية بعد ، وموضع الذكاة منها سالم ، وإنما ينظر - عند الذبح - أحية هي أم ميتة ؟
ولا ينظر إلى ما أصابها : هي تعيش معه أم لا ؟ قال ابن إسحاق : ومن خالف هذا ؛ فقد خالف جمهور الصحابة وعامة العلماء .
وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ
. هذا أمر بتسمية اللّه تعالى عند إرسال الكلب والطير على الصيد ، فالحكم في التسمية عنده كالحكم فيها عند الذبح .
وقيل : هو أمر بالتسمية على الصيد عند الأكل منه .
قال الآلوسي : وهو بعيد ، وإن استظهره أبو حيان . 43 .
واستدل العلماء بهذه الآية على جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة ؛ لأن التعليم يحتاج إلى ذلك ، وعلى إباحة اتخاذ الكلب للصيد . ومثله للحراسة ، والانتفاع به فيما يحقق المصالح العامة ، مثل تعقيل اللصوص ، وإنقاذ الغرقى ، وقيادة العميان .
5 -
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ . .
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
. أي : أبيح لكم المستلذات من الذبائح وغيرها ، وفي هذا دليل على سماحة الإسلام ويسره ورغبة اللّه الكريم في أن يتمتع عباده بالطيبات من الحلال في الطعام .
والثياب والزواج والمسكن والدابة وشؤون الحياة في غير ما إسراف ولا خيلاء . وفي الحديث النبوي الشريف : « كل ما شئت والبس ما شئت ما تجنبك اثنتان الإسراف والمخيلة » 44