وقال بعض السلف : ما عاملت من عصى اللّه فيك ، بمثل أن تطيع اللّه فيه ، والعدل به قامت السماوات والأرض ، وقال ابن أبي حاتم ، عن زيد بن أسلم قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالحديبية وأصحابه ، حين صدهم المشركون عن البيت ، وقد اشتد ذلك عليهم ، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة ، فقال أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم : نصدّ هؤلاء كما صدّنا أصحابهم ، فأنزل اللّه هذه الآية ، والشنآن هو البغض ، وهو مصدر من شنأه أشنؤه شنآنا .
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
. أي : تعاونوا على فعل الخيرات وترك المنكرات ، وعلى كل ما يقرب إلى اللّه .
قال ابن كثير :
يأمر اللّه تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات - وهو البرّ - وترك المنكرات - وهو التقوى - وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم .
روى البخاري وأحمد عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « انصر أخاك ظالما أو مظلوما » ، قيل : يا رسول اللّه ، هذا نصرته مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما ؟ قال : « تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره » . 38 .
وفي الصحيح « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا » 39 .
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
. أي : خافوا عقابه ؛ فإنه تعالى شديد العقاب لمن عصاه .
قال صاحب الظلال :
« وهو تعقيب لتهديد من لا يتقى ، ومن لا يفي بالعقد الأول ، ومن تجرفه دفعة الشنآن إلى شاطئ العدوان .
إنها قمة في ضبط النفس ، وفي سماحة القلب ، وفي انتهاج العدل ، يحدو إليها هذا القرآن ويأخذ بيد البشر في طريق الإيمان ، دون ما عنت ودون ما حرج ، فهو يعترف للنفس البشرية بأن من حقها أن تغضب ، ومن حقّها أن تكره ، ولكن ليس من حقها أن تعتدى على الناس مطاوعة لما فيها من شنآن ، ثم يحدو لها بعد ذلك بنشيد البرّ ونشيد التقوى ، لتتخلص من عقابيل الشنآن ، فيكون في هذا تربية للنفس ، بعد أن يكون فيها ضمان للعدل ، في غير ما كبت للفطرة ولا إعنات 40 .
* * *