ومن ذلك تدبير أمر النبوة ، وتخصيص كل نبي بنوع من الوحي والإعجاز ، على النحو الذي اقتضت حكمته ، مراعاة للزمان والمكان الذي بعث فيه كل رسول .
تذييل :
جاء في رسالة التوحيد - للشيخ محمد عبده - كلام نفيس عن حاجة البشر إلى إرسال الرسل وعن وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام . حيث قال :
الرسل يرشدون العقل إلى معرفة اللّه وما يجب أن يعرف من صفاته ، ويبينون الحدّ الذي يجب أن يقف عنده في طلب ذلك العرفان ، على وجه لا يشق عليه الاطمئنان إليه ، ولا يرفع ثقته بما آتاه اللّه من القوة .
الرسل يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم ، وتنازعته مصالحهم ولذاتهم ، فيفصلون في تلك المخاصمات بأمر اللّه الصادع . ويؤيدون بما يبلغون عنه ما تقوم به المصالح العامة ، ولا يفوت به المصالح الخاصة .
الرسل يضعون لهم بأمر اللّه حدودا عامة ، يسهل عليهم أن يردّوا إليها أعمالهم ، كاحترام الدماء البشرية إلا بحق . مع بيان الحق الذي تهدر له ، وحظر تناول شئ مما كسبه الغير إلا بحق ، مع بيان الحق الذي يبيح تناوله ، واحترام الأعراض ، مع بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع .
يحملونهم على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفانية إلى طلب الرغائب السامية آخذين في ذلك كله بطرق من الترغيب والترهيب ، والإنذار والتبشير حسبما أمرهم اللّه - جل شأنه - .
يفصلون في جميع ذلك ما يؤهلهم لرضا اللّه عنهم وما يعرضهم لسخطه عليهم ، ثم يحيطون بيانهم بنبأ الدار الآخرة وما أعد اللّه فيها من الثواب وحسن العقبى ، لمن وقف عند حدوده وأخذ بأوامره . . .
وبهذا تطمئن النفوس ، وتثلج الصدور ، ويعتصم المرزوء بالصبر ، انتظارا لجزيل الأجر أو إرضاء لمن بيده الأمر ، وبهذا ينحل أعظم مشكل في الاجتماع الإنسانى ، لا يزال العقلاء يجهدون أنفسهم في حله إلى اليوم 20 .
166 -
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
. ترد هذه الآية ردّا على جحود اليهود لنبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقد أنكروا رسالته وجحدوا نبوته .
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : دخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم :
إني واللّه أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول اللّه ، فقالوا : ما نعلم ذلك ، فأنزل اللّه قوله :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ
. 21 .