فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ
. أي : أن اللّه أهلكهم بما شاء من ألوان الإهلاك لتجاوزهم حد الأدب والحق .
ويبدو أن المراد بالصاعقة هنا : ( ذلك الصوت الشديد المجلجل المزلزل المصحوب بنار هائلة ، والذي كان من آثاره أن صعقوا : أي خرّوا مغشيا عليهم ، أو هلكوا بسبب ظلمهم وعنادهم ، وفسوقهم عن أمر اللّه ، قال ابن جرير الطبري : والصاعقة : كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه ، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل ، صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة . . )
ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً
. أي : ثم اتّخذ بنو إسرائيل العجل معبودا لهم ، من بعد ما جاءتهم الأدلة الواضحة الشاهدة بوحدانية اللّه ، النافية لعبادة آلهة سواه .
فلقد أراهم اللّه على يد موسى آيات عظيمة ، منها : انشقاق البحر يسيرون فيه ، وقد مهد اللّه لهم اثنى عشر طريقا في البحر ، يتخللها الماء كالطود العظيم .
ومن هذه الآيات أن اللّه فجر لهم اثنتي عشرة عينا ، عندما ضرب موسى الحجر بعصاه ، وقد علم كل أناس منهم مشربهم .
ومن هذه الآيات التي وقعت أمامهم أنهم رأوا عصا موسى تبتلع ما جاء به السحرة من السحر العظيم ، وهم قد شاهدوا الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدّم .
إلى غير ذلك من الآيات .
وقد جاءت هذه الآيات كلها بدعوة موسى ربه .
قال تعالى :
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
. ( الأعراف : 133 ) .
وقال سبحانه :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً
. ( الإسراء : 101 ) .
فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً
. أي : عفونا عن اتخاذهم العجل إلها بعد ما تابوا وأقلعوا عن عبادته لأن التوبة تجبّ ما قبلها .
وآتينا موسى سلطانا بينا واضحا على قومه ، فقوى فيهم أمره وضعفت معارضتهم له ، وظهر انكسار نفوسهم فقبلوا أمره أن يقتلوا أنفسهم - بالندم والحزن - على ما صنعوا توبة منهم .
وفيما تقدم بشارة للنبي صلى اللّه عليه وسلم بالانتصار على اليهود في المدينة ، وقد حقق اللّه له هذه البشارة ،