وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب أمر لا بد من الإيمان به لأن اللّه تعالى يريد لعباده الهداية والإرشاد إلى طرق الخير ، فأرسل الرسل ليكونوا هداة للبشرية ودعاة إلى الخير ، وحجة على العصاة يوم القيامة ، قال تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
. ( النساء : 165 )
قال القرطبي : نصّ سبحانه على أن التفريق بين الإيمان باللّه والإيمان برسله كفر ، وإنما كان كفرا لأنّ اللّه سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل ، فإذا جحدوا رسالة الرسل فقد ردّوا عليهم شرائعهم ، ولم يقبلوها منهم ، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أمروا بالتزامها . فكان كجحد الصانع سبحانه ، وجحد الصانع كفر ، لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية ، وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر 8 .
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
. فاليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى وبمحمد والنصارى آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فهم آمنوا ببعض الرسل ، وكفروا بالبعض الآخر ، وكانوا بذلك كافرين بالرسل جميعا ، لأن دين اللّه واحد ، فالكفر برسول من الرسل كفر بما جاء به سائر الرسل ، ولأن كل رسول وصى أمته أن يؤمنوا بالرسل الذين يبعثهم اللّه بعده . فمن كفر بأحدهم فقد كذب الرسل الذين سبقوه وجحد وصيتهم .
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
. أي : ويريدون أن يتخذوا طريقا وسطا بين الإيمان والكفر مع أنه لا وسط بينهما إذ الحق واحد ، لا ينتقص منه ، وليس بعد الحق إلا الضلال .
151 -
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً
. أي : أولئك الموصوفون بتلك الصفات الشائنة ، هم الكافرون المبالغون في الكفر حقا ، فلا عبرة بما يزعمونه من الإيمان .
وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً
. أي : وأعددنا لهؤلاء الكافرين عذابا يهينهم ويذلهم ، جزاء التفريق بين اللّه ورسله ، والإيمان بالبعض والكفر بالبعض الآخر .
152 -
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
. والذين آمنوا باللّه حق الإيمان . وبما يجب له من صفات الكمال ، وآمنوا بجميع الرسل حق الإيمان ولم يفرقوا في الإيمان بين رسول ورسول بل آمنوا بهم جميعا .