وعظما ودما . ثمّ نوديت من السماء بالوحي : أيّتها العظام المتفرّقة ، وأيّتها اللحوم المتمزّقة ، وأيّتها العروق المتقطّعة ، اجتمعي يرجع فيك أرواحك ؛ فجعل يجري الدم إلى الدم ، وتطير الريشة إلى الريشة ، ويثب العظم إلى العظم ، فعلّق عليها رءوسها وأدخل فيها أرواحها . فقيل : يا إبراهيم ، إنّ اللّه لما خلق الأرض وضع بيته في وسطها ، وجعل للأرض أربع زوايا ، وللبيت أربعة أركان ، كلّ ركن في زاوية من زوايا الأرض ، وأرسل عليهم من السماء أربعة أرياح : الشمال والجنوب والصبا والدبور . فإذا نفخ في الصور يوم القيامة اجتمعت أجساد القتلى والهلكى من أربعة أركان الأرض وأربع زواياها ، كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة أجبل ، ثمّ قال :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
[ لقمان : 28 ] .
وقال بعض المفسّرين : ذكر لنا أنّ إبراهيم أتى على دابّة توزّعتها « 1 » الذئاب والسباع فقال :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ، قالَ : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ؟ قالَ : بَلى ، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
أي ليسكن قلبي ، أي انظر إليه . قال الحسن : أراد أن يعلم كيف ذلك .
قالَ : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ؟ قالَ : بَلى ، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي .
فدعا ربّه لينظر إلى ذلك معاينة ، ليزداد به علما .
قالَ : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ . . .
إلى آخر الآية . وقال ابن عباس :
قالَ : بَلى ، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
أي : أعلم أنّي أدعوك فتجيبني ، وأسألك فتعطيني . وقال بعضهم : أمر أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهنّ ، ثمّ يخلط بين لحومهنّ وريشهنّ ودمائهنّ ، ثمّ يجزّئهنّ على أربعة أجبل . وذكر لنا أنّه فعل ذلك وأمسك رءوسهنّ بيده ، فجعل العظم يذهب إلى العظم ، والريشة إلى الريشة والبضعة إلى البضعة . ثمّ دعاهنّ فأتينه سعيا على أرجلهنّ ، وتلقّى كلّ طير رأسه . وهذا مثل ضربه اللّه لإبراهيم ؛ يقول : كما بعثت هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة ، كذلك يبعث اللّه الناس يوم القيامة من أقطار الأرض .
قال بعض المفسّرين : بلغنا أنّ هذه الأطيار الأربعة : الطاوس والديك والغرنوق والحمام ، والعامّة يقولون : إنّها الطاوس والديك والحمام والغراب . وقال مجاهد في قوله :
ادْعُهُنَّ :
أي :
قل لهنّ تعالين بإذن اللّه . قال : وبلغنا في قوله :
يَأْتِينَكَ سَعْياً
أي : مشيا على أرجلهنّ .
قوله :
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ :
أي : في ملكه
حَكِيمٌ
( 260 ) : أي : في أمره .
هامش
( 1 ) كذا في المخطوطات الثلاث « توزّعتها » . وفي تفسير الطبري ج 5 ص 486 : « تمزعت لحمها » وهو أفصح ، أي : تقاسمتها قطعة قطعة ، ومن ذلك « المزعة » : القطعة من اللحم والقطن ، انظر اللسان : ( مزع . )