تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 716

مساهمون:

ص٧١٦
الكريم في جواب القسم ، وإنّه تارة يكون إنشاء ، وتارة يكون خبرا ، وتارة يكون مذكورا ، وتارة يكون محذوفا ، لكنّ ذلك يحتاج إلى الشرح والإيضاح ، فيطول ، ونريد أن نرجع إلى القول في الذي معنا .
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 )
. قد أطلعناك على أمثلة كثيرة من هذا النوع من القسم في القرآن الكريم ، ويمتاز ما معنا بأنه قيل فيه صراحة
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 )
فكان هذا دليلا على أنّ هنا قسما وحلفا مثبتا ، وأنّ الكلام إثبات قسم لا نفي قسم . ولقد كانت الصورة الظاهرة صورة نفي القسم مجالا فسيحا للعلماء ، أجهدوا فيه قرائحهم ، وأبدوا آراءهم في بيان المراد ، والجمع بينه وبين قوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 )
فذهب بعضهم إلى أنّ ( لا ) زائدة ، مثلها في قوله تعالى :
لِئَلَّا يَعْلَمَ
[ الحديد : 29 ] معناه ليعلم ، والمعنى هنا : فأقسم بمواقع النجوم ، والقول بالزيادة يكاد لا يرتضيه أحد . وذهب بعضهم إلى أن ( لا ) هي لام القسم بعينها ، أشبعت فتحتها ، فتولدت منها الألف ، نظير الألف في قول الشاعر :
أعوذ باللّه من العقراب
حيث أشبعت فتحة الراء ، فتولّدت منه الألف ، وحينئذ تتحد القراءتان ، قراءة مدّ اللام وعدم مدها في المعنى ، ويكون المد مدّ إشباع ، ويكفي في ضعف هذا القول اعتراف قائليه بقلّة هذا التوليد في لغة العرب . على أنّ هذا يوقعنا في شيء آخر ، لا يقرّه النحويون ، وهو خلوّ فعل القسم إذا كان مستقبلا من النون ، فإنّ النحاة يقولون : إذا وقع الفعل مستقبلا مقرونا باللام في حيّز القسم وجب اتصال الفعل بنون التوكيد ، وحذفها ضعيف جدا ، حتى لقد اضطروا إلى تخريج القراءة الأخرى لاقسم على أنّ اللام للابتداء ، وليست للقسم ، وقالوا : إنّها داخلة على مبتدأ محذوف ، والمعنى : فلأنا أقسم ، وإن كان هذا التخريج لا يخلو من شيء . وقيل : بل النفي على حاله ، و ( لا ) نفي لمحذوف ، هو ما كان يقوله الكفار في ذم القرآن ، من أنّه سحر وشعر وكهانة . ثم استؤنف الكلام بعد ذلك ، ويكون حاصل المعنى : فلا صحة لما يقولون ، أقسم بمواقع النجوم إلخ وفوق أن الحذف لا دليل عليه ، فهو لا يتفق مع ما يقول النحاة من أنّ اسم لا وخبرها لا يصحّ حذفهما ، إلا إذا كانا في جواب سؤال ، كما تقول : هل من رجل في الدار ؟ فنقول : لا . على أنّ علماء المعاني يقولون في مثل هذا الموضع : إنّ العطف بالواو متعيّن ، كما يقال : هل شفي فلان من مرضه فيقال : لا ، وأطال اللّه بقاءك .