ويرى الفخر الرازي « 1 » أن كلمة ( لا ) هي نافية على معناها ، غير أن في الكلام مجازا تركيبيا ، وتقديره أن نقول : ( لا ) في النفي هنا مثلها في قول القائل : لا تسألني عما جرى عليّ ، يشير إلى أن ما جرى عليه أعظم من أن يشرح فلا ينبغي أن يسأله ، فإن غرضه من السؤال لا يحصل ، ولا يكون غرضه من ذلك النهي إلّا بيان عظمة الواقعة ، ويصير كأنه قال : جرى عليّ أمر عظيم ، ويدل عليه أن السامع يقول له : ما ذا جرى عليك ، ولو فهم من حقيقة كلامه النهي عن السؤال لما قال : ما ذا جرى عليك ، فيصحّ منه أن يقول : أخطأت حيث منعتك عن السؤال ، ثم سألتني وكيف لا ، وكثيرا ما يقول ذلك القائل الذي قال : لا تسألني عند سكوت صاحبه عن السؤال ، أو لا تسألني ، وتقول : ما ذا جرى عليك ؟ ولا يكون للسامع أن يقول : إنك منعتني عن السؤال : كل ذلك تقرّر في أفهامهم : أنّ المراد تعظيم الواقعة لا النهي .
إذا علم هذا فنقول في القسم : مثل هذا موجود من أحد وجهين :
إما أن لكون الواقعة في غاية الظهور ، فيقول : لا أقسم بأنه على هذا الأمر ، لأنه أظهر من أن يشهر ، وأكثر من أن ينكر ، فيقول : لا أقسم ، ولا يريد به القسم ونفيه ، وإنما يريد الإعلام بأن الواقعة ظاهرة ، وإما لكون المقسم به فوق ما يقسم به ، والمقسم صار يصدق نفسه فيقول : لا أقسم يمينا بل ألف يمين ، ولا أقسم برأس الأمير برأس السلطان ، ويقول : لا أقسم بكذا ، مريدا لكونه في غاية الجزم .
والثاني : يدل عليه أنّ هذه الصيغة لم ترد في القرآن ، والمقسم به هو اللّه تعالى أو صفة من صفاته ، وإنما جاءت أمور مخلوقة ، والأول لا يرد عليه إشكال إن قلنا :
إن المقسم به في جميع المواضع رب الأشياء ، كما في قوله :
وَالصَّافَّاتِ
المراد منه رب الصافات ، فإذا قوله :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 )
أي الأمر أظهر من أن يقسم عليه وأن يتطرّق الشك إليه .
ولعلك بعد كلام الفخر تكون قد فهمت أن نفي القسم استعمل في القسم من طريق أوكد .
وقبل أن نتكلم على معنى القسم من اللّه بذاته ، أو بأشياء من خلقه ، نتكلم على تفسير الآية التي معنا ، لنفرغ إلى القول في هذه النواحي باستفاضة .
أُقْسِمُ
أحلف
بِمَواقِعِ النُّجُومِ
المواقع جمع موقع ، وموقع الشيء ما يوجد فيه ، وما يسقط فيه إن كان من أشياء مرتفعة . وعليه ، فمواقع النجوم قيل : المشارق والمغارب جميعا ، لأنها موجودة فيها . وقيل : المغارب فقط ، لأنّ عندها تسقط النجوم . وقيل : بل مواقعها مواضعها من بروجها في السماء ومنازلها منها . وقيل : بل
هامش
( 1 ) في تفسيره مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير ( 29 / 187 ) .