المراد مواقعها يوم القيامة إذا الكواكب انتثرت ، وسنتكلّم بعد على حكمة القسم بمواقع النجوم خاصة .
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 )
عظيم خبر ( إن ) وقوله :
لَوْ تَعْلَمُونَ
اعتراض بين إنّ وخبرها . والضمير في قوله : ( إنه ) يرجع إلى القسم المفهوم من الكلام على ما تقدّم توضيحه . و
لَوْ تَعْلَمُونَ
شرط ، جوابه : إمّا محذوف بالكلية ، لأنه لا يتعلق بذكره غرض ، إذ المقصود هو نفي ما دخلت عليه ( لو ) . وكأن المعنى : إنّه لقسم عظيم . لو تعلمون . وذلك أنّ ( لو ) حرف يدلّ على امتناع شيء لامتناع غيره ، وعلى ذلك فهي تدلّ على نفي مدخولها لانتفاء شيء آخر ، فإذا قد أفاد دخول ( لو ) على ( تعلمون ) انتفاء علمهم ، وهذا هو الذي يعنينا ، أما الجواب فعلمه بعد ذلك كأنّه لا يعني .
ويقول الفخر الرازي « 1 » : إنّ فائدة مجيء النفي على هذه الصورة بدل قوله :
( وإنه لقسم عظيم ) ولا تعلمون أنّ النفي على الصورة التي معنا أوكد ، لأنّ إتيانه عليها ذكر للشيء بدليله . أما الصورة الأخرى فليس فيها إلا إثبات عظم القسم مقترنا بنفي علمهم من غير تعرّض للإشعار بسبب نفي العلم عنهم . أما هنا فكأنّه قيل : لو كان عندكم أثارة من علم لثبت عندكم عظم القسم ، فإن كان أحد يشكّ في ذلك ، فمنشأ الشك ليس لعدم العظم في نفس الأمر ، بل لأنّه لا يعلم ، وأين هذا من ذاك .
وإما أن يكون جواب ( لو ) مقدّرا مفهوما من خبر ( إن ) أي لو كان عندكم علم لعظّمتموه ، لكنكم لم تعظّموه ؛ فلا علم عندكم ، وترى أنّا لم نقدّر لتعلمون مفعولا ، بل جعلناه منزّلا منزلة اللازم ، ويصحّ أن يقدّر له مفعول يدلّ عليه خبر ( إن ) .
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 80 )
.
الضمير في ( إنّه ) يرجع إلى معلوم للمخاطبين ، وهو الكلام العربي الذي أنزله اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وكان الكفار يقولون فيه : إنه شعر ، إنه سحر ؛ إنّه كهانة وافتراء .
فقال اللّه في الرد عليهم :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 )
، وقال بعضهم : هو الكلام من أول سورة الواقعة إلى هنا مما جاء فيها من التوحيد ، والحشر ، والدلائل التي سيقت لإثباتها ، وذلك أنهم كانوا يقولون : هذا كلام من عند محمد لم ينزل عليه من عند اللّه ، فقال اللّه في الردّ عليهم :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 )
.
والقرآن مصدر أريد منه اسم المفعول ، فهو بمعنى المقروء ، على حد قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى
[ الرعد : 31 ] وهو
هامش
( 1 ) في تفسيره مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير ( 29 / 189 ) .