تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 659

مساهمون:

ص٦٥٩
أو في غيرها ، فدلّ ذلك على أنّ شأن المؤمنين ألا يكون منهم للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا ما يكون إكراما وشكرا على ما أسدى إلى الأمة من خير ، فلا معنى لتقييد الأذى هنا بنوع منه ، كاللبث في بيوته صلّى اللّه عليه وسلّم ، والاستئناس للحديث فيها ، وكون الآية وردت في هذا السياق لا يقتضي تقييدها به ، بل يقتضي دخولها في العموم الذي دلّت عليه الآية . وذكر النبي بوصف الرسالة هنا مشعر بتوبيخ من تحدّثهم نفوسهم بأذيته ، إذ ذلك يكون كفرانا بنعمة الرسالة الواجب شكرانها .
وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ
ذكر هذا بعد النهي عن الأذى بصيغة الخبر من قبيل ذكر الخاص بعد العام ، للاهتمام به ، فإنّ امتهان فراش الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من أكبر الأذى . وقد عرض المفسرون هنا للكلام في المراد من الأزواج ، وقد سبق لك عند الكلام على آية التخيير شيء من هذا . فقد ذهب بعضهم إلى أنّ الأزواج اللائي لا ينكحن هن من ثبت لهن هذا الوصف ، ولو من طريق العقد من غير أن يدخل بها . وإطلاق الأزواج هنا ظاهر في هذا . ويرى بعضهم كإمام الحرمين قصره على المدخول بها ، ونحيلك هنا على ما ذكرناه عند الكلام على المختارات ، لتقف على أرجح الأقوال في ذلك . وقد عرض المفسّرون أيضا إلى البعدية من قوله تعالى :
مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً
هل هي بعدية الوفاة ، أو بعدية الفراق مطلقا . وما دام أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يثبت أنّه طلق أحدا من نسائه من طريق صحيح ، وحتى التي قيل : إنها اختارت الدنيا قيل : إنها جنّت ، وقد منعه اللّه من أن ينكح أزواجا بعد اللائي كنّ معه ، وأن يطلقهن ليتزوج غيرهن . فما نرى معنى لهذا الذي خاض فيه المفسرون ، ونرى أنّ البعدية بعدية الوفاة . وأما الكلام في حلّ المطلقة ، ومن فسخ نكاحها فهو كلام مبني على الفرض والتقدير ، ولا شأن للآية به ، وإن كان لنا أن نقول شيئا فذلك أنّ إضافة البعدية إلى ضميره صلّى اللّه عليه وسلّم ظاهر في بعدية الوفاة . وأيضا فإنّ منع المؤمنين من نكاح أزواجه إنما هو لكفّ الأذى عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأي أذى يلحقه من أن تنكح امرأة نبذها ، ولم تنل شرف أمومة المؤمنين . إنّ منع زواجها فيه أذاها هي ، ولا يليق أن يكون مقصدا من مقاصد الشريعة إلحاق الأذى بالناس ، على أنّ منعها من الزواج فيه تسوية بينها وبين من نلن رضاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، واللازم عدم التسوية .
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً
اسم الإشارة راجع إلى إيذاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ونكاح أزواجه من بعده . قال اللّه تعالى :
إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 54 )
لما كان مقام البيوت خصوصا بيوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقتضي حيطة شديدة ، حتى يكون
تفسير آيات الأحكام — صفحة 659 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان