تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 656

مساهمون:

ص٦٥٦
ويرى البعض أنّ قوله :
غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ
حال من الواو في
تَدْخُلُوا
ويكون المعنى : نهيهم عن الدخول في هذه الحال ، وهي حال عدم انتظار الطعام . وهم يروون في ذلك أنّ بعض أصحاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان يدخل في وقت الطعام من غير سابق دعوة ، وكانوا يسمّون الثقلاء من أجل ذلك ، وبعد تسليم ما رووا فكيف تفيد الآية النهي عن الذي كان منهم ؟ لعلهم يقولون : إنّ المعنى : لا تدخلوا حال كونكم غير منتظرين وقت الطعام ، إلّا أن يؤذن لكم . ويكون المراد نهيهم أن يدخلوا على الفجاءة ، وأما إذا جاءوا ومكثوا انتظارا للطعام ، فلا يكون ذلك منهيا عنه وهم بهذا يدفعون ثقيلا بأثقل منه ، إذ إنهم يجوز لهم حينئذ أن يدخلوا البيت ، ويمكثوا ما طاب لهم المكث حتى يجيء الطعام ، ويهيّأ لهم .
وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا
هذا استدراك على ما فهم من النهي عن الدخول بغير إذن ، وهو مشعر بأنّ الإذن متضمّن معنى الدعوة ، وهو بعد هذا تصريح بما علم قبل .
فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا
أمر بالتفرّق بعد الفراغ من الطعام ، بعدية يرجع في تحديدها إلى ما يجري به العرف . وأنت بعد الذي اطلعت عليه من سبب نزول ترى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان قد ثقل عليه أن يمكث هؤلاء الأضياف بعد أن فرغوا من الطعام ، ولم يدعوه يتفرّغ لبعض شأنه في بيته ، وكان يمنعه الحياء أن يأمرهم بالتفرّق .
وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ
الاستئناس للحديث طلب الأنس به ، والطمأنينة والسرور والارتياح له ، وقد أطلق نفي الاستئناس للحديث من غير بيان صاحب الحديث ، للإشارة إلى أنّ المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإطلاق ، أيا كان الاستئناس ، سواء كان لحديث بعضهم بعضا ، أو لحديث غيرهم ، فإنّ الأمر كان أمر وليمة ، وقد انتهت ، ولم يبق إلا أن يفرغ من البيت لبعض شأنهم ، والبقاء بعد ذلك نوع من الثقل غير محمود . ويرى بعض المفسرين أنّ قوله تعالى :
مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ
معطوف بالجر على ( ناظرين ) وتكون ( لا ) لتأكيد النفي ، ويجوز أن تكون ( لا ) بمعنى ( غير ) معطوفة على ( غير ناظرين ) . ويرى البعض أنّ ( مستأنسين ) حال من فاعل فعل محذوف دلّ عليه الكلام ، أي ولا تمكثوا مستأنسين لحديث ، واللام في قوله : ( لحديث ) إما تعليلية داخلة على محذوف ، أي لأجل استماع الحديث ، أو هي للتقوية .
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ
هذا بمثابة التعليل لما قبله ، أي إنما نهيتم عن دخول بيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلا في الحدود المبينة ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتأذّى من الدخول على غير هذه الحدود وإيذاء النبي لا يصح أن يكون من المؤمنين ، من أجل
تفسير آيات الأحكام — صفحة 656 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان