يكون لهنّ من علمهن بمراقبة اللّه وعلمه ما قد تنطوي عليه نفوسهن وقاية ودرعا يقيهن من الوقوع في مهاوي الفساد . وانظر كيف عقّب اللّه أمرهنّ بالتقوى بقوله :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً
يعلم علم شهود وحضور ومعاينة ، فيجازي على ما يكون ، وفي ذلك منتهى التحذير من مخالفة الأوامر والنواهي ، ولقد بلغ من المبالغة في تكريم أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن قال بعض العلماء بحرمة نظر نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهنّ مستترات . قال القاضي عياض « 1 » : فرض الحجاب مما اختصصن به ، فهو فرض عليهنّ بلا خلاف في الوجه والكفين ، فلا يجوز لهنّ كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ، ولا إظهار شخوصهن وإن كنّ مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة . واستدلّ لذلك بما روي أنّ حفصة لما توفي عمر رضي اللّه عنه كان يسترها النساء أن يرى شخصها . ويرى ابن حجر بحق أنّ ذلك إن صحّ فلا دلالة فيه .
وقد كان نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يؤدين الحج بعد وفاته . ، ويطفن بالبيت ، ويسعين بين الصفا والمروة ، ولو قيل : إنّ الستر وعدم النظر إلى الشخوص أفضل ومندوب لكان شيئا يصح أن يصار إليه ، ويشهد له ما روي أنّ عمر رضي اللّه عنه أمر يوم وفاة زينب بنت جحش ألا يشهد جنازتها إلا ذو رحم محرم منها ، عملا بالحجاب ، فدلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش بقبة تضرب عليها ، وقالت : إنها رأت ذلك في بلاد الحبشة ، فصنعه عمر .
قال اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 56 )
قد بين اللّه تعالى فيما سبق أنّ شأن المؤمنين ألا تكون منهم أذية للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك بعث على تكريمه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحياطة لمقامه الشريف ، وهنا بيّن اللّه تعالى أنّ اللّه يكرم نبيّه على وجه التأكيد ، فكان ما هنا بمثابة العلة لما قبله ، فكأنه قيل : ما كان لكم أن تؤذوه ، لأنّ اللّه يصلّي عليه والملائكة ، وما دام الأمر كذلك فهو لا يستحق إلا الإكرام والتمجيد ، وأكّد الخبر اهتماما به ، وجيء به جملة اسمية لإفادة الدوام ، وكانت الجملة اسمية في صدرها ؛ فعلية في عجزها ؛ للإشارة إلى أنّ هذا التمجيد الدائم يتجدّد وقتا فوقتا على الدوام .
وقد ذكر في الآية أنّ اللّه وملائكته يصلّون على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأمر المؤمنين بأن يصلوا عليه ، وبأن يسلّموا تسليما . وقد عرض المفسّرون لبيان معنى صلاة اللّه على نبيه ، وصلاة الملائكة عليه ، وكذا صلاة الخلق وتسليمهم . ونحن متابعوهم فيما قالوا .
هامش
( 1 ) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي أبو الفضل عالم المغرب ، وإمام أهل الحديث ، ولي قضاء سبتة توفي بمراكش مسموما قيل سمه يهودي ، انظر الأعلام للزركلي ( 5 / 99 ) .