تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 660

مساهمون:

ص٦٦٠
الامتثال للأحكام الواردة فيه يتفق فيه الظاهر والباطن ، أعقب اللّه الآيات الواردة فيه بما يجعل الناس في تمام اليقظة ، وعلى أشد ما يكون من الحذر ، ذلك أنه نبههم إلى أنّ علمه قد أحاط بخفيات النفوس ، فضلا عما يظهر منها ، وذلك تهديد شديد يقطع ما يخالج النفوس من الوساوس ، وما يحيط بها من دوافع الشهوات ، فيعمل الناس على الإقلاع عن مجاراة الوساوس ، واستئصال نوازع الشهوات ، فإنّ اللّه مطّلع على ما ظهر وما خفي ، ومجاز كلّ إنسان بحسب ذلك العلم ، ومن ذا الذي يستطيع بعد هذا أن تحدثه نفسه بالدنو من الأذى ، واللّه القادر على الجزاء قد أحاط بكل شيء علما . قال اللّه تعالى :
لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ( 55 )
قد فهم مما تقدّم أنّ على نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحتجبن عن الرجال ، ولا يظهرن عليهم ، وقد يفهم النصّ على عمومه ، فيتناول أقرب الناس إليهنّ ، وفي ذلك ما فيه من حرج ، بل قد يكون فيه قطع الرحم التي أمر اللّه أن توصل ، فجاءت هذه الآية الكريمة لبيان الأقارب الذين لا يحرم ظهور نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمامهم من غير حجاب . وقد ذكر اللّه من ذلك ستة أصناف هم : الآباء ، والأبناء ، والإخوان ، وأبناء الإخوان ، وأبناء الأخوات ، والنساء المضافات إليهن ، وما ملكت أيمانهنّ . وقد بقي من المحارم : الأعمام والأخوال من غير ذكر ، وقد ذهب العلماء في ذلك مذاهب : فمنهم من يرى أنه اكتفي عنهم بذكر الآباء ، وقد جرى العرف بإطلاق الأب على العم والخال . ومنهم من رأى أنّ في ذكر أبناء الإخوان رمزا إلى قرابة العمومة ، وفي ذكر أبناء الأخوات رمزا إلى قرابة الخؤولة ، وذلك أن من يكون ابن أخي المرأة تكون المرأة عمته ، ومن يكون ابن أختها تكون هي خالته . وعجب أن يرى بعض العلماء أنّ عدم التنصيص على الأعمام والأخوال يقتضي وجوب الاحتجاب منهم ، ويذهب في التعليل مذهبا أعجب ، فيقول : إنّ الأعمام والأخوال لو اطلعوا على النساء فربّما وصفوهنّ لأبنائهم ؟ يا هؤلاء ! أنتم تتكلمون في نساء متزوجات ، هن أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهل يريد العم أن يفسد ابنة أخيه على زوجها - وهو المصطفى - ليزوجها لابنه ، وهل تقولون : إنّ الحكم كذلك في سائر النساء ، ولا تعدون الأخوال والأعمام محارم في حق النظر ، أو تقولون إن ذلك خاص بنساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ ! وإذا كان خوف الوصف يصلح علّة للحجاب ، فالوصف ممكن في الجميع ، لا للأقارب فحسب ، بل للأجانب ، فكلّ من