تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
وقد يرشّح هذا المعنى أيضا تغيير النظم في هذه الآية ، وصرف الخطاب فيها عن وجهه بتوجيهه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتكليفه أن يأمر الناس بغض الأبصار ، فإنّ في هذه الطريقة إشعارا بأنّ هذا الفعل قبيح ، وأنّ صاحبه يستحق أن يعرض عنه ، ويصرف الخطاب إلى غيره . ولا يلزم من مراعاة هذا المعنى في جانب الأمر بغضّ البصر أن يراعى أيضا في الأمر بحفظ الفروج ، فإنّ أمر الفروج عظيم ينبغي أن يشدد فيه أكثر مما يشدد في غيره ، فلا يستقيم مع ذلك أن يؤتى في جانب الأمر بحفظ الفروج بعبارة توهم صورتها أنّ بعض الفروج قد يتساهل فيه ، [ و ] لا يشدد في الأمر بحفظه . وقال صاحب « الكشاف » « 1 » : إنما دخلت
مِنْ
في غضّ البصر دون حفظ الفرج للدلالة على أنّ أمر النظر أوسع ، ألا ترى أنّ المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وسوقهن وأقدامهن ، وكذلك الجواري المستعرضات للبيع ، وأنّ الأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها . وأمّا أمر الفرج فمضيّق ، وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما استثني منه ، وحظر الجماع إلا ما استثني منه . وقد اختلف في المراد بحفظ الفروج ، فقيل : إنّ معناه تجنب الزنى واللواطة ، وقيل : إن المراد سترها ، فلا يحل للمؤمن أن يكشف عن سوأته ، ولا أن يلبس لباسا رقيقا يشفّ عما تحته ، ويبين عورته ، ولا مانع من إرادة المعنيين جميعا . ثم لا يخفى وجه الجمع بين أمرين : أحدهما : متعلق بحفظ الأبصار . والثاني : متعلق بحفظ الفروج فإنّ النظر إلى المحرم من أقوى الدواعي إلى الوقوع في الفجور ، فكان حراما ، لأن من شأنه أن يؤدي إلى الحرام ، فإن وقع القصر على محرم من غير قصد وجب أن يصرف عنه ، وليس على المرء إثم في النظرة الأولى غير المقصودة ، فقد روى مسلم « 2 » عن جرير بن عبد اللّه البجلي رضي اللّه عنه قال : سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري . و روى أبو داود عن بريدة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعلي : « يا علي لا تتبع النظرة النظرة ، فإنّ لك الأولى وليست لك الآخرة » « 3 » .
ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ
أي ما ذكر من غضّ البصر وحفظ الفرج أطهر لقلوبهم ، وأنقى
هامش
( 1 ) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري ( 3 / 229 ) . ( 2 ) رواه مسلم في الصحيح ( 3 / 699 ) ، 3 - كتاب الآداب ، 10 - باب نظر الفجأة حديث رقم ( 2159 ) . ( 3 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 94 ) ، كتاب الآداب ، باب نظر الفجأة حديث رقم ( 2778 ) ، وأبو داود في السنن ( 2 / 214 ) ، كتاب النكاح ، باب ما يؤمر به حديث رقم ( 2149 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 581 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان