المفهومات التي يطلق عليها لفظ الإحصان إلا ما أجمع على عدم اعتباره هنا ، وهو كون المرمي زوجا أو زوجة .
وأشهر معاني الإحصان : العفّة عن الزنى ، فمن أجل ذلك كانت العفة عن الزنى ، معتبرة في تحقق الإحصان هنا قطعا ، لا نعلم في ذلك خلافا لأحد ، فمن قذف شخصا غير عفيف لا يحدّ باتفاق .
واشتراط العفة عن الزنى في تحقق الإحصان يستتبع اشتراط البلوغ والعقل في تحققه أيضا ، إذ إن الصبي لا يقال فيه عفّ عن الزنى ، وكذلك المجنون لا يقال فيه :
عفّ عن الزنى ، كما لا يقال للمجبوب : عفّ عن الزنى ، وكما لا يقال للأعمى : عفّ عن النظر إلى المحرمات ، إنما يقال عفّ عن الزنى لمن كان يتصوّر الزنى منه ، ثم كفّ عنه ، وذلك البالغ العاقل الفحل .
ولا بد من اعتبار الحرية ، لأنّها من معاني الإحصان - على ما علمت - والرقيق ليس بمحصن بهذا المعنى ، وإذا كان محصنا من جهة أخرى ، فغاية ما فيه أنّه محصن من وجه ، وغير محصن من وجه ، وذلك شبهة في إحصانه ، فوجب درء الحد عن قاذفه .
وكذلك لا بد من اعتبار الإسلام أيضا في تحقيق الإحصان ، فالكافر ليس بمحصن بهذا المعنى ، وإذا كان محصنا من جهة أخرى ، فغايته أنه محصن من وجه وغير محصن من وجه ، فيكون ذلك شبهة في إحصانه ، فيجب درء الحد عن قاذفه .
ولولا أنّ الإجماع قائم على عدم اعتبار الإحصان بمعنى التزوج لكان عدم التزوج شبهة في إحصان المقذوف ، فلا يحد قاذفه .
والحاصل أنّه يعتبر في تحقق إحصان المقذوف العفة عن الزنى ، والحرية والإسلام ، وأما البلوغ والعقل فإنّهما من لوازم العفة - كما علمت - وهذا الذي ذكرناه لك هو رأي الجمهور من العلماء وفقهاء الأمصار ، وأصحّ الروايتين عن أحمد ، ولبعض الفقهاء خلاف في شيء من ذلك : فداود الظاهري لا يشترط الحرية في المقذوف ، ويرى أنّ قاذف العبد يحد ، فإن كان يكتفي في الإحصان بالعفة لشهرته فيها لزمه القول بحد من قذف كافرا عفيفا .
وروي عن ابن أبي ليلى أنّ من قذف ذميّة لها ولد مسلم يحدّ . قال بعضهم :
وكذلك يحد قاذفها إذا كانت تحت مسلم . ذهبوا إلى ذلك دفعا للعار الذي يلحق ابنها أو زوجها المسلم .
وعن أحمد في إحدى الروايتين القول بحدّ قاذف الصبي الذي يجامع مثله .
وقال مالك في الصبية التي يجامع مثلها : يحدّ قاذفها ، ألحق مالك وأحمد في هذه الرواية دور المراهقة بالبلوغ ، ونظرهما في ذلك إلى أنّ المراهق يلحقه العار كما يلحق
تفسير آيات الأحكام — صفحة 551
مساهمون: الشيخ محمد علي السايس
ص٥٥١