تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
وأهل الحديث ، فيكون فيه حجة على جواز نكاح الزانية ، وعلى أنّ الزوجة إذا زنت لا ينفسخ نكاحها . وأما تأويل من تأوّله على أنها سخية تعطي ، ولا ترد من يلتمس منها مالا ، فهو تأويل بعيد عن الصواب ، إذ لو أراد هذا لقال : لا ترد يد ملتمس ، ولقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أحرز عنها مالك . وقد يقال : لما ذا بدئ بالزاني هنا وبدئ بالزانية في الآية السابقة ، وما السر في ذلك ؟ والجواب : أنه بدئ بالزانية هناك لما علمت آنئذ وبدئ بالزاني هنا لأنّ هذه الآية مسوقة لذكر النكاح ، والرجل فيه هو الأصل ، لأنّ إبداء الرغبة والتماس النكاح بالخطبة إنما يكون من الرجل لا من المرأة في مجرى العرف والعادة . قد يظن من لا يدقق النظر أنّ معنى الجملتين :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
واحد ، وأنّه لا فرق بينهما ، ولكن هذا ظنّ خاطئ ، لأنّ معنى الجملة الأولى أنّ الزاني لا يرغب إلا في زانية أو مشركة ، ولو اقتصر على هذه الجملة لم يعرف حال الزانية ، فجاءت الجملة الثانية مبينة أنه لا يرغب فيها إلا زان أو مشرك ، فالجملة الأولى تصف الزاني بأنّه لا يرغب في العفيفات المؤمنات ، وإنما يرغب في الفواجر أو المشركات ، والجملة الثانية تصف الزانية بأنّها لا يرغب فيها الأعفاء المؤمنون ، وإنما يرغب فيها الفجار أو المشركون ، وهذان معنيان مختلفان ، لأنّه لا يلزم عقلا من كون الزاني لا يرغب إلا في زانية أنّ الزانية كذلك لا يرغب فيها غير الزاني ، فجاءت الجملة الثانية مبينة لهذا المعنى .

حد القذف

قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 )
أصل الرمي : القذف بشيء صلب ، يقال : رمى فلانا بالحجر ونحوه : قذفه به ، ورمى الحجر : ألقاه ، واستعمال الرمي في الشتم مجاز ، وهو المراد هنا ، والقرينة قوله تعالى :
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
لأنّ الإتيان بالشهادة هنا في مصلحة الرامين ، وليس من المعقول أن يكون من مصلحتهم الإتيان بأربعة يشهدون بأنهم رموا المحصنات بالحجر أو نحوه ، فتعيّن أن يكون المراد أنّهم يشتمون المحصنات ويرمونهم بالعيب ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يشهدون على صدقهم فيما رموا به المحصنات من العيب . ثم المراد بذلك العيب الزنى ، ويدلّ عليه إيراد الجملة عقيب الكلام في الزنى وأحكامه . والتعبير عن المفعول بالمحصنات ، وأشهر معاني الكلمة العفيفات المنزّهات عن
تفسير آيات الأحكام — صفحة 549 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان