تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
الحقوق يتولى استيفاءه مولاه ، فيصير حق العبد تابعا لحق اللّه تعالى ، فإذا غلّبنا حق اللّه تعالى كان حقّ العبد مستوفى لا مهدرا ، وليس العكس كذلك . فما لا تعارض فيه من الصور بين حقّ اللّه وحق العبد فأمره ظاهر ، وكذلك ما اتفق فيه الفريقان على تغليب أحد الحقين . فمثال ما لا تعارض فيه أن يقذف الحرّ ، ويعجز عن البينة ، ويطلب المقذوف إقامة الحد عليه ، فيستوفيه الإمام . ومن أمثلة ما اتفقا فيه على تغليب حق اللّه تعالى حدّ العبد إذا قذف ، فلو لا تغليب حق اللّه فيه ما تنصف ، ومما اتفقا فيه على تغليب حق العبد أنه إذا لم يطلب المقذوف إقامة الحد فليس للإمام أن يستوفيه . أما ما تعارض فيه الحقان واختلف الشافعية والحنفية في حكمه فمن أمثلته أنه إذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد ، فالحنفية يقولون بسقوطه تغليبا لحق اللّه تعالى ، ولأنّه ليس مالا ، ولا بمنزلة المال ، بل هو حق محض كخيار الشرط وحق الشفعة . وقال الشافعية : لا يسقط الحد بموت المقذوف ، بل يقوم ورثته مقامه في المطالبة به ، ويرثونه عنه تغليبا لحق العبد . ومنها : أنّه إذا قذف جماعة بكلمة واحدة أو بكلمات متعددة فالحنفية يقولون بتداخل الحد ، وعليه للجميع حدّ واحد تغليبا لحق اللّه تعالى ، كمن زنى مرارا أو سرق أو شرب الخمر كذلك ، وقال الشافعية : لا يتداخل الحد ، فعليه لكل منهم حد تغليبا لحق العباد . ومنها : إذا عفا المقذوف عن الحد ، فإنه يصحّ العفو عند الشافعية ، ويسقط الحد تغليبا لحق العبد . وقال الحنفية : لا يسقط الحد بعفو المقذوف بعد طلبه إقامته .
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
هذه ثلاث عقوبات ترتبت على القذف بشرطه ، وليس في الآية ما يدلّ على أن بعض هذه العقوبات مرتب على بعض ، لأنّ العطف فيها بالواو . بل غاية ما أفادته الآية أنّ المجموع مرتب على القذف بشرط ، فكأنه قيل :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
فاجمعوا لهم هذه العقوبات الثلاث : جلدهم ثمانين جلدة ، ورد شهادتهم ، وتفسيقهم . فظاهر الآية أنه متى قذف وعجز عن البينة استحق العقوبات الثلاث ، ولا يتوقف رد شهادته على جلده . وبهذا الظاهر قال الشافعي والليث . وقال أبو حنيفة ومالك : لا ترد شهادته إلا بعد جلده ، فما لم يجلد يكون مقبول الشهادة ، وحجتهما في ذلك أنّ الواو ، وإن لم تقتض الترتيب ، لكنّ الظاهر من الترتيب في الذكر أنه على وفق الترتيب في الحكم ، وأنّ الأصل قبول شهادته ما لم يطرأ مانع ، وأنّ قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « المسلمون
تفسير آيات الأحكام — صفحة 554 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان