تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
القذف ، وحجته في ذلك أن الشاهد الواحد لما شهد صار قاذفا ولم يأت بأربعة شهداء ، فوجب عليه الحد ، وخرج عن كونه شاهدا ، ولا عبرة بتسميته شاهدا إذا فقد المسمى ، فلا خلاص من هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع . وظاهر الآية أيضا أنه إذا لم يأت القاذف بتمام العدة ، بأن أتى باثنين أو ثلاثة منها جلد ، ولم تتعرّض الآية لحكم الشهود إذا لم يكملوا النصاب ، والمأثور أنّهم يحدون ، فقد صحّ أنه رفع إلى عمر بن الخطاب حادثة شهد فيها على المغيرة بن شعبة بالزنى : شبل بن معبد وأبو بكرة وأخوه نافع وكان رابعهم زيادا ، فلم يجزم بالشهادة بحقيقة الزنى ، فحد الثلاثة عمر بمحضر من الصحابة رضي اللّه عنهم ، ولم ينكروا عليه . وقوله تعالى :
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
المخاطب فيه هم أولياء الأمر من الحكام . وقد سبق الكلام آنفا فيمن يلي الحدّ في تفسير قوله تعالى :
فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
وظاهر العموم في اسم الموصول في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ
إلخ أنّ الزوج وغيره في هذا الحكم سواء ، وأن الزوج إذا قذف زوجته ، وعجز عن البينة فعليه الحد . لكن آية اللعان قد جعلت للزوج مخرجا إذا هو عجز عن البينة ، فشرعت له اللعان كما يأتي ، فتكون آية اللعان مخصّصة للعموم في الموصول هنا ، وظاهر العموم أيضا أنّ الرقيق والحر في ذلك الحكم سواء ، وأنّ كلا منهما يجلد ثمانين جلدة إذا وقع القذف منه بشرطه ، وبهذا الظاهر قال ابن مسعود والأوزاعي ، وهو أيضا مذهب الشيعة . لكنّ فقهاء الأمصار مجمعون على أنّ حد الرقيق في القذف أربعون جلدة على النصف من حد الحر ، كما في الزنى ، وعلى ذلك تكون الآية خاصة بالأحرار . وظاهر قوله تعالى :
فَاجْلِدُوهُمْ
أنّ الإمام يقيم الحدّ ولو من غير طلب المقذوف ، وبهذا قال ابن أبي ليلى . وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي : لا يحد إلا بمطالبة المقذوف . وقال مالك : إذا سمعه الإمام يقذف حده ولو لم يطلب المقذوف ، إذا كان مع الإمام شهود عدول . ولا يخفى أنّ القول بتوقف استيفاء الحد على المطالبة ظاهر في أنّ الحد حق العبد ، كما أنّ تنصيفه على الرقيق ظاهر في أنّه حق للّه ، ومما لا شكّ فيه أن في القذف تعديا على حقوق اللّه تعالى ، وانتهاكا لحرمة المقذوف ، فكان في شرع الحد صيانة لحق اللّه ولحق العبد . هذا المقدار لا خلاف فيه لأحد ، إنما الخلاف بين الشافعية والحنفية في الذي يغلب من الحقين على الآخر . فالشافعية يغلّبون حق العبد باعتبار حاجته وغنى اللّه جلّ شأنه . والحنفية يغلبون حق اللّه تعالى ، لأنّ ما للعبد من
تفسير آيات الأحكام — صفحة 553 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان