تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
البالغ ، فوجب الحدّ لدفع العار . وكذلك يقول مالك والليث : يحدّ قاذف المجنون لدفع العار الذي يلحقه . والجمهور يمنعون لحوق العار للصبي والمجنون إذا نسبا إلى الزنى ، ولو فرضنا لحوق العار فليس ذلك على الكمال ، فيندرئ الحد عن قاذفهما ، وليس معنى ذلك أنه لا عقوبة على قاذفهما ، بل يجب على الإمام تعزيره للإيذاء . وقوله تعالى :
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
قد شرط في تحقق القذف المستوجب للعقوبة عجز القاذف عن الإتيان بأربعة يشهدون أنهم قد رأوا المقذوف يزني ، والتاء في
بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
في ظاهرها تفيد اعتبار كونهم من الرجال ، والحكم كذلك ، لأنّه لا مدخل لشهادة النساء في الحدود باتفاق . ولم يستفد من الآية في صفة هؤلاء الشهداء أكثر من أنهم أربعة رجال من أهل الشهادة . وللعلماء خلاف في أهل الشهادة من هو فالشافعية يقولون : لا بد في أهل الشهادة أن يكون عدلا ، والحنفية يقولون : الفاسق من أهل الشهادة ، فإذا شهد أربعة فسّاق فهم قذفة عند الشافعية يحدون كما يحد القاذف الأول ، إذ لم يأت بأربعة من أهل الشهادة . والحنفية يقولون : لا حد عليه ، لأنه أتى بأربعة من أهل الشهادة ، إلا أنّ الشرع لم يعتبر شهادتهم لقصور في الفاسق ، فثبتت بشهادتهم شبهة الزنى ، فيسقط الحد عنهم وعن القاذف ، وكذلك عن المقذوف لاعتبار العدالة في ثبوت الزنى . وظاهر العموم في الآية أنه يكفي أن يكون أحد الأربعة زوج المقذوفة ، وبهذا الظاهر قال أبو حنيفة وأصحابه . وقال مالك والشافعي : يلاعن الزوج ، ويحدّ الثلاثة ، وحجتهم في ذلك أنّ الشهادة بالزنى قذف ، بدليل أنّ الشاهد يحدّ إذا لم يكمل النصاب ، ولفظ الآية وإن كان عاما إلا أن آية اللعان جعلت للزوج حكما يخصه ، وآية اللعان أخصّ من الآية التي معنا ، والخاصّ مقدّم على العام . وظاهر الإطلاق في الآية أنّه إذا أتى بأربعة شهداء كيفما اتفق مجيئهم مجتمعين أو متفرقين فهو آت بمقتضى النص ، واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية ، وبهذا الظاهر قال مالك والشافعي ، وأيدا قولهما بالقياس على الشهادة في سائر الأحكام ، بل تفريقهم أولى ، لأنه أبعد عن التهمة والتواطؤ . وأيضا فليس من الممكن أن يشهدوا معا في وقت واحد ، فلا بد أن يسمع القاضي شهادتهم واحدا بعد آخر ، فكذلك إذا اجتمعوا عند بابه ، ثم دخلوا عليه واحدا بعد آخر . وقال أبو حنيفة : إذا جاءوا متفرقين لم يسقط الحد عن القاذف ، وعليهم حد