وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 ) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 202 )
لما كانت أعمال الحج كثيرة ، وهي لا تخلو عن تقصير ، أمرهم بالاستغفار ، وقد يكون فيه إشارة إلى ترجيح أن الإفاضة المأمور بها هي من عرفات ، على نحو ما ورد في سبب النزول ، فكأنّ ما وقع من الحمس يؤاخذ عليه ، فلذلك طلب منهم الاستغفار .
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً
. روى ابن عباس أنّ العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم يعدّ الواحد منهم أيام آبائه في السماحة ؛ والحماسة ؛ وصلة الرحم ؛ ويتناشدون فيها الأشعار . فلما أنعم اللّه عليهم بنعمة الإسلام أمرهم بأن يذكروه كذكرهم لآبائهم .
و
روى القفال عن ابن عمر قال : طاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على راحلته القصواء يوم الفتح ، يستلم الركن بمحجنه « 1 » ، ثم حمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال : « أما بعد أيها الناس ! إنّ اللّه قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها ! إنما النّاس رجلان : برّ تقي كريم على اللّه ، وفاجر شقي هيّن على اللّه ، والنّاس بنو آدم ، وخلق اللّه آدم من تراب ، ثم تلا :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ . .
[ الحجرات : 13 ] ثم قال :
« أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم » « 2 » .
والمراد من قضاء المناسك الفراغ منها ، والمناسك جمع منسك ، وهو مصدر ، بمعنى النسك ، أي العبادة ، والمعنى فإذا فرغتم من عبادتكم التي أمرتم بها في الحج
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً
.
اختلفوا في هذا الذكر المأمور به ، فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة ، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبير بعد الصّلاة في يوم النحر وأيام التشريق ، لأنّه لم يعرف في هذه الأيام ذكر خاص إلا هذا الذكر . وقيل : بل كان القوم في الجاهلية اعتادوا ذكر مفاخرهم ، وتعداد مناقبهم ، وآبائهم ، فأمرهم اللّه هذا ليحوّلهم عن هذه العادة القبيحة ، وقيل غير هذا .
كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً
معناه : أنّ الأجدر بكم ، وقد أنعم اللّه عليكم بشهود الحجّ أن تشتغلوا بذكر اللّه ، لا بذكر آبائكم ، يعني تتوفّروا على ذكره ، كما كنتم تتوفّرون على ذكرهم ، بل هذا أولى ، لأن ذكركم وثناءكم على آبائكم قد يكون كذبا .
هامش
( 1 ) عصا معوجة ، انظر لسان العرب لابن منظور ( 13 / 108 ) .
( 2 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 363 ) ، كتاب التفسير باب ومن سورة الحجرات حديث رقم ( 3270 ) .