تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
. الإفاضة : الاندفاع في السير بكثرة ، منه : أفاض البعير بجرّته : ألقاها منبثة ، وأفاض الأقداح في الميسر : جمعها ، ثم ألقاها متفرقة . وإفاضة الماء من هذا . والإفاضة في الحديث : الاندفاع فيه بكثرة ، وتصرّف في وجوهه . فمعنى قوله :
فَإِذا أَفَضْتُمْ
دفعتم أنفسكم بكثرة
مِنْ عَرَفاتٍ
جمع عرفة ، هي اسم لموضع واحد ، ولكنه لسعته ، ووقوف الناس فيه جماعات وأفرادا ، وموضع كل فرد وجماعة منه بالنسبة إليها في حجها عرفة ، قيل له عرفات من أجل ذلك . واليوم التاسع من ذي الحجة يقال له : يوم عرفة ، لأنه يوم الوقوف بعرفة . والوقوف بعرفة ركن ، لا يدرك الحجّ إلا من أدركه ، ولا نعلم خلافا بين العلماء في ذلك ، إلا ما روي عن الحسن أنه قال : إنه واجب ، من أدركه فقد أدّاه ، ومن لا ، فيكفيه الوقوف بجمع . وفي الآية دلالة على أنّ الوقوف بعرفة لا بدّ منه ، لأنه قد رتّب عليه الأمر بالذكر عند المشعر الحرام ، وهو واجب مشروط بالإفاضة من عرفات ، والإفاضة من عرفات تستدعي الوجود في عرفات ، وما لا يتمّ الواجب إلّا بوجوده فهو واجب ، والمشعر الحرام المراد منه : المزدلفة . والوقوف بها قيل : سنة ، وقيل : واجب . وعن علقمة وقتادة أنهما قالا : إن الوقوف بها ركن . وقد اختلف في الذكر المطلوب عند المشعر الحرام ، فقال بعضهم : المراد منه الجمع بين صلاة المغرب ، وصلاة العشاء بمزدلفة ، ولعل في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لمن سأله أن يصلّي في الطريق « الصلاة أمامك » « 1 » إشارة إليه . وقال بعضهم : بل المراد الذكر باللسان : من التسبيح ، والتحميد ، والتهليل والتلبية ، وقد ورد عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس وقال : كان الناس في هذه الليلة لا ينامون .
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ
أي واذكروه لهدايته إياكم ، على حدّ قوله :
كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
. وقد قيل : إنه كرّر الأمر بذكر اللّه لأنّ الأمر الأوّل ذكر لساني ، والآخر قلبي ، ويحتمل أنه كرّر الأمر بالذكر للحث على مواصلة الذكر ، كأنه قيل : واذكروه واذكروه ، أي اذكروه ذكرا بعد ذكر ، ويرجع في المعنى إلى قوله تعالى :
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 2 / 934 ) ، 15 - كتاب الحج ، 47 - باب الإفاضة من عرفات حديث رقم ( 276 / 1280 ) .