وذهب أبو مسلم إلى أنه مثل في المداومة على ذكر اللّه ، لأنه قد تركز في طبيعة الإنسان أن يذكر آباءه ولا ينساهم ، وقوله :
أَوْ أَشَدَّ
معناه بل أشد .
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 ) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 202 )
.
لما أمر اللّه تعالى بالذكر ذكر عقبه ما يكون من الناس في الدعاء ، ليأخذوا بأحسن الأحوال ، ويتركوا غيره ، فقال :
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ . .
الآية فقسّم الناس في الدعاء إلى قسمين :
قسم يقصر دعاءه على أمور الدنيا ، والاستزادة من خيراتها ، ويسكت عن الآخرة ، وكأنّها لا تخطر له على بال ، ولا يعنيه من أمورها شيء ،
ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
الخلاق : النصيب .
وقسم يحرص على طلب خيرى الدنيا والآخرة ، وهؤلاء سيؤتيهم اللّه نصيبهم غير منقوص
أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا
.
وقد قيل : إن الإشارة في قوله :
أُولئِكَ
راجع إلى الفريقين : يعني الذين طلبوا الدنيا فقط ، والذين طلبوهما معا .
وقيل : بل هو راجع للقسم الثاني فقط ، والدليل عليه أن اللّه ذكر حكم الفريق الأول بقوله :
ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
.
قد يقال : كيف رجع قوله تعالى :
أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا
إلى الفريق الثاني ، مع أنه مشعر بتحقير الجزاء ؟
ويجاب عنه بأنّ المراد : لهم نصيب في الدنيا والآخرة يبتدئ من كسبهم ، فمن لابتداء الغاية ، لا للتبعيض ، والكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله ، وقد يكون نفعا ، وقد يكون ضررا ، وقد اختلف في المراد بالفريق المقصود بقوله :
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
فقيل : هم الكفار ، كانوا يقولون إذا وقفوا : اللهم ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا ، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة ، فأخبر اللّه أن من كان من هذا القبيل فلا خلاق له في الآخرة .
وقيل : هؤلاء قد يكونون مؤمنين ، ولكنهم يسألون اللّه لدنياهم لا لأخراهم ، وهو سؤال يعدّ ذنبا في هذه المواقف العظيمة ، حيث يسألون فيها حطام الدنيا ، ويعرضون عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة .
قيل : الحسنة في الدنيا عبارة عن : الصحة ؛ والأمن ؛ والكفاية ؛ والولد الصالح ؛