تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
ولما أدى جداله إلى الضلال ، وكانت عاقبته خسرا ، جعل كأنه غرضه ، ولما كان الهدى في استطاعته ، وتحت سمعه وبصره ، ولكنه تركه وأعرض عنه ، وأقبل على الجدال بالباطل جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال وبئس المصير . وهؤلاء لهم في الدنيا خزي وهلاك ، وهوان وذل ، وفي يوم الجزاء يذوقون عذاب الحريق . ذلك الجزاء الكامل المناسب بسبب ما قدمته يداه ، وبسبب أنه - سبحانه وتعالى - الحكم العدل ، وعدله يقتضى معاقبة الفجار ، وإثابة الأبرار :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا ، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
[ سورة النجم آية 31 ] ، وما ربك بظلام للعبيد ، فيما يجازى به كلا على عمله . صنف آخر أمره عجب ! ! يعبد اللّه عبادة ليست صادقة خالصة ، عبادة ليس فيها صدق نية ، ولا إخلاص في الطوية ، عبادة باللسان وترديد في الكلام . لم يدخل الإيمان قلبه ، ولم تخالط بشاشة الدين روحه ، فهو دائم القلق والاضطراب ، كمن يجلس على حرف الجبل وحده لا يهدأ له قرار ، ولا تسكن له نفس . هؤلاء هم المنافقون ، أو المنافقون صنف منهم ؛ يعبدون اللّه على خوف وشيك ، فإن أصابه خير من غنيمة ومال ، وزيادة في النسل والإنتاج رضى عن هذا الدين . وإن امتحن بالبلاء ، واختبر في الضراء بنقص في المال أو الأنفس ، أو هلاك في الثمرات والغلات ينقلب على وجهه ، ويرتد معلنا سخطه وعدم رضاه . وهؤلاء خسروا الدنيا بما أصابهم ، وخسروا الآخرة إذ لا ثواب لهم على ما أصابهم فإنهم لم يصبروا ولم يحتسبوا . وذلك هو الخسران الكامل ، والضلال المبين . ومن ذكر من الكافرين أو المترددين المنافقين ، يدعو من دون اللّه ما لا يضره ، ولا ينفعه ، وإنما يتمسك ويتجه إلى ما لا يفيد أصلا ، بل لا ينفع نفسه ، وذلك هو الضلال الموغل في الضلالة البعيد جدا عن الصواب . يدعو من ضره أقرب من نفعه ، إذ هو سبب كفره وعذابه ، لبئس هذا المولى والناصر ولبئس هذا العشير والصاحب .